تیتر اخبار



  چاپ        ارسال به دوست

نشست سوم هرمنوتیک تحت عنوان تحلیل ونقد دیدگاه "ویلهلم دیلتای" در باب هرمنوتیک برگزار گردید

 

          

 

 

 

نشست سوم هرمنوتیک تحت عنوان تحلیل ونقد دیدگاه "ویلهلم دیلتای" در باب هرمنوتیک برگزار گردید. نخست شرایط فکری حاکم بر زمان دیلتای تبیین شد و در ادامه اصل نظریه بدیع دیلتای تبیین گردید و در پایان نقاط قوت و ضعف دیدگاه او بررسی شد. در جلسه آینده دیدگاه هایدگر در باب هرمنوتیک مورد بررسی قرار خواهد گرفت.

 

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA

                                   

 

نظرية فيلهلم دلتاي ((Wilhelm Dilthey (1833- 1911م)

1- فتح المفكر والفيلسوف الآلماني فيلهلم دلتاي آفاقاً جديدة في علم هرمنوطيقا، وذلك أنه قد تأثّر بنظرية التأويلية لشلاير ماخر - التي ترتكز على أنّ "عملية الفهم" هي إعادة البنية الذهنية للمؤلّف- وقام بتوسيع نطاقها لتشمل كافّة العلوم الانسانية باعتبارها منهجا عاما وآلية شاملة لها. 

             2- لقد كانت فكرة "التاريخية" مهيمنة على العصر الذي عاش فيه دلتاي، وهى فكرة مفادها أن الأحداث والوقائع التى حدثت في الماضي لا يمكن فهمها وتفسيرها إلا على ضوء معرفة الأرضية الاجتماعية والظروف التاريخية والثقافية التى تكوّنت فيها تلك الحادثة أو الواقعة. فلا يمكن فهم هذه الأحداث التاريخية بالمعايير والآليات الموجودة في الوقت الراهن. فلذا تستلزم التاريخية نوعاً من النسبيّة والشكاكيّة في المعارف البشرية. فالتاريخية تحتوى على نوعين من الظروف التاريخية : الظروف والأجواء الثقافية التى كانت تحيط بالمؤلّف أو موجِد الأثر في الماضى، والظروف والبيئة الثقافية والاجتماعية التى كانت تحيط بالمفسِّر وقارئ النصّ والأثر حين تفسيره. فحسب الرؤية التاريخية أنّ الفجوة التاريخية والثقافية والفاصل الزمنى بين المؤلّف والمفسّر تمنع من كشف مراد المؤلّف وفهم مقصوده وبغيته على ما هو موجود في الواقع. وهذا بخلاف المنهجية للعلوم الطبيعية والتجريبية المبتنية على الملاحظات العينية الدقيقة وتورث اليقين العينيّ، لأنّها تعتمد على الضوابط والأصول الرياضية المدروسة الثابتة.

3- شعر دلتاى بخطورة "التاريخية" فبدأ يتصدّى لها ويكافحها مستعيناً بالتراث الهرمنوطيقى الذى ورثه من أسلافه كشلاير ماخر. كان دلتاي يركز على أن الفهم العينيّ المطابق للواقع أمرٌ ميسورٌ وضرورىّ ويمكن كشف مراد المؤلّف، وذلك خلافاً للاتجاه الذهنيّ النسبيّ الذى يرفض الفهم العينى المطابق للواقع ، فلذا كان يعرّف الفهم بأنّه إعادة الحالة والوضع والتجربة التى كان يعيشها الفاعل والمؤلّف في زمن إيجاد الفعل والأثر، وقد استخدم في ذلك مصطلح "التجربة المجدَّدة"، و"إعادة البنية الذهنية" و"فرديّة صاحب الأثر"((Individuality وغيرها من المفاهيم التى تدل على إعادة التجربة الذهنية والأجواء الفكرية والبنية النفسيّة التى كان يجرّبها المؤلّف حين إنتاج الأثر. فعلى المفسّر أن يعيد التجربة الذهنية للمؤلّف وفرديّته ويجعل نفسَه محلّه بما يحيطه من الظروف الاجتماعية والثقافية والتاريخة حتى يقدر على تفسير كلامه وأثره بشكل صحيح.

4- لا شك أن ايمانوئل كانط شيّد أسساً ومبادئ للدفاع عن العلوم الطبيعية والتجريبية ومهّد الأرضية لتدمير المتافيزيقيا في كتابه "نقد العقل المحض" من خلال ما عرضه من مقولات حول الفاهمة البشرية. في قبال مشروع كانط عزم دلتاى على أن يأصّل ويؤسّس منهجاً قويماً للدفاع عن معطيات العلوم الإنسانية ويضع الأسس الإبستمولوجية للدّراسات الإنسانية، في قبال العلوم الطبيعية وسمّاه "نقد العقل التاريخيّ"، وذلك من خلال تنظيم وترتيب مناهج وأصول وضوابط عامّة ليثبت أنّ المنجزات العلوم الإنسانية قابلة للتحقّق والتثبّت والموضوعيّة. فلذا اقترح دلتاي "مقولات الحياة" للوصول إلى منهج شامل یشارک فیه كلُّ العلوم الإنسانية في قبال العلوم الطبيعية و"مقولات الفاهمة" التى اقترحها كانط، لأنّ دلتاي يرى أن المقولات الكانطية لا تكفي لفهم الحياة الباطنة للإنسان.

يعتقد دلتاي بأن موضوع العلوم الطبيعية وبتبعه منهجها يختلفان تماما عن موضوع العلوم الإنسانية ومنهجها، فلذا حاول أن يُبدع منهجاً وأُسُساً عاماً يشمل جميع العلوم الإنسانية ويحظى بنفس القيمة المعرفية التى يتمتّع بها منهج العلوم الطبيعية.

5- وفق رؤية دلتاي ، يكون الانتقال من كلمات المتكلّم أو أفعاله إلى مقاصده وأفكاره من خلال إتّباع أصول وضوابط عامة. وقد كان – دلتاي- يسعى إلى التمييز بين منهجيّة العلوم الطبيعية وبين منهجية العلوم الإنسانية من خلال تأسيس وتشييد القواعد العامّة للفهم المشترك عند جميع الأذهان وهذا دفاعا عن معطيات العلوم الإنسانية في قبال هيمنة العلوم الطبيعية والتجريبية. وبعبارة أخرى كان دلتاي يؤكد على أن هناك تجارب مشتركة في الحياة بين جميع الناس وتساعدنا على تأسيس قواعد عامّة وعينيّة لفهم جميع العلوم الإنسانية.

6- من المفاهيم المركزية في فلسفة دلتاي مفهوم "فلسفة الحياة" ((philosophy of life التى تعتبر غاية وهدفاً للعلوم الإنسانية. يرى دلتاي أن الأفكار والسلوكيات والأحاسيس والمشاعر والفلسفات والإبداعات والفنون والمذاهب والآمال وغيرها تُعدّ من ظهورات الحياة وتجليّاتها (manifestation) وتعبيراتها. يرى دلتاي بأن مهمّة المفسّر في عملية فهم الحياة هى التسرّب إلى الجوانب الباطنية للحياة ومعرفة الحالات الذهنية (Mental state) والبنية النفسية التى سبّبت ظهورَ أشكال الحياة المتنوّعة، بخلاف العلوم الطبيعية التى تركز على الجوانب الخارجية والظاهرية المحسوسة للأشياء. فلذا دور المفسّر هو "إعادة البنية الذهنية والتجربة النفسية" التى كان يعيشها صاحب الأثر أو مجرّب الحياة. فليس المحور الرئيسيّ في تأويليّة دلتاي هو معرفة النص، ولا معرفة معنى النص، بل هو معرفة الحياة التى تمثّلت وتجسّدت في النص. لقد انصبغت الهرمنوطيقا من وجهة نظر دلتاي بصبغة السيكلوجية و"علم النفس" وكشف البنية النفسية لصاحب تجربة الحياة.

بعبارة أخرى يرى دلتاي أنّ موضوع العلوم الإنسانية هو "الحياة الإنسانية"، وفهم الحياة الإنسانية ينبغي ألّا يقوم على مقولات خارجة عن الحياة، بل على مقولات من صميم الحياة ومستقاة من الحياة؛ فهم الحياة يجب أن يتمّ من خبرة الحياة ذاتها. فالديناميّات الحياة الداخلية للإنسان هى مركّبٌ من المعرفة والشعور والإرادة. وهذه أمور لا يمكن إخضاعها لمعايير العليّة وتصلّب التفكير الكمّي الآليّ.

7- يعتمد دلتاي في فهم معني الحياة على "مقولات الحياة" وهى الأصول والقواعد العامة التي يمكن من خلالها تنظيم تجارب الحياة. لا يخفى أن مقولات الحياة هى طُرق تفسير الأحداث والوقائع. ينبغي هنا أن نشير إلى بعض مقولات الحياة التى يركّز عليها دلتاي:

 1- "العلاقة بين الظاهر والباطن" بمعنى أنّ الحالات الذهنية (Mental) لها ظهورات وتمثّلات خارجية، على سبيل المثال أن رفع الصوت والسلوكيات الخشنة تعدّ من حالة الغضب النفسية.

2- مقولة "القدرة" ((Power التى نؤثّر من خلالها على الأشياء ونتأثّر منها. هذه المقولة تُشبه أصل العليّة في العلوم الطبيعية.

3- مقولة "القيمة" (Value) التى نجرّب من خلالها زمان الحال.

4- مقولة "الهدف" (Purpose) التي نساهم من خلالها في زمان المستقبل.

5- مقولة "المعني" (Meaning) التى نفهم الماضي والتاريخ من خلالها.

 

8- يعتقد دلتاي بأن فهم حياة الآخرين - من خلال التجليّات والتمثّلات لتلك الحياة- ميسورة بتوفّر ثلاث شروط:

الف)- أن يعرف المفسّر الحالات الذهنية والأمور النفسية التى يمكن بيان التجربة والمعني من خلالها؛ فما دام لم يعرف المفسّر مفهوم المحبّة والنفور والإرادة والقصد والإظهار، فلا يمكن له أن يفسّر حياة الآخرين ويفهمها بنحو مطلوب.

ب)- أن يعرف المفسّر الظروفَ الإجتماعية والقرائنَ المحيطة بإظهار الحياة وتجليّاتها.

ج)- التأمّل في الأنظمة الثقافية والاجتماعية التى تتمثّل فيها الحياة أو اللغة المستخدمة لإبراز الحياة.

خلاصة الكلام: أن نظرية دلتاى الهرمنوطيقية تعتمد على ركيزتين أساسيتين: الف)- تبيين ماهية الفهم وهى أن يُعيد المفسّر التجربة الذهنية والتاريخية للمؤلّف وصاحب الأثر ويتسرّب إلى عالَمه الذهنيّ ويجعل نفسَه محلّه.

ب)- بيان الطريق والمنهج الممهَّد للوصول إلى فهم الأثر عن طريق "تجربة الحياة" و"مقولات الحياة".

 

 

 

 

تقييم ونقد

الف)- الإيجابيات

قبل أن نقوم بذكر النقاط السلبية ونقاط الضعف في نظرية دلتاي ينبغى أن نسلّط الضوء على بعض النقاط الإيجابيّة الكامنة في نظريّته التأويلية وهى:

1)- التركيز على عينيّة الفهم والتفسير وبذل الجهود لكشف تعبيرات الحياة وفهم تجليّاتها وظهوراتها، وفي المقابل رفض النسبيّة والتعدّدية في عملية الفهم. فلذا يركّز دلتاي على إعادة البنية الذهنية وخبرة الحياة للمؤلّف.

2)- التمييز بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية في المنهجية والموضوع والغايات، وهذا التمييز مقبول في الجملة.

3)- السعى الحثيث لبناء منهجية جديدة متميّزة للعلوم الإنسانية في مقابل المنهجية التجريبية المدعومة بنظرية كانط، وهذه المنهجية هى التى تتبنّاها الفلسفة الوضعية وتعتمد عليها. نفس هذا الإبداع والإبتكار الذى كان دلتاي بصدد تحقيقه في الواقع يُعدّ ميزة فريدة لنظريته، وإن كان غير ناجح في آخر المطاف.

4)- تعتبر محوريّة "الحياة"و"مقولات الحياة" والتركيز على فهم تجليّات الحياة وتعبيراتها من الجوانب الإيجابية لنظرية دلتاي، وهذا ما قد غفل عنه الاتّجاهُ التجريبيّ والتاريخيّ. بعبارة أخرى يهتمّ التيّار التجريبيّ بالظواهر المحسوسة والملموسة للحياة ويُهمل الجوانب الباطنية والروحية للحياة، بينما إعتنى دلتاي بهذا البُعد المغفول أشدّ الاعتناء.

5)- نقد التاريخية – أعم من تاريخية العقل وتاريخية الفهم- يُعدّ من الإيجابيات في نظرية دلتاي، وإن كان قد تأثّر بالتاريخية في بعض الموارد، ولكن كان يرى دلتاي أن التاريخية تعتبر من الحواجز والعوائق المهمّة أمام الفهم الصحيح، فلذا قد حاول أن يتصدّى لها وينقده نقداً موضوعيّاً.

 

ب)- السلبيات ومواطن الضعف

مع وجود هذه الإيجابيّات تعاني نظرية دلتاي من بعض الإشكاليات نستعرضها فيما يلي:

 محاولة دلتاي لتأسيس أسس ومناهج عامّة لجميع العلوم الإنسانية في قبال العلوم التجريبية محاولة فاشلة وغير ناجحة؛ لأنّه أولاً: لقد بقيت نظرية دلتاي على مستوى النظر ولم تصل إلى مرحلة التطبيق على أرض الواقع؛ وذلك بسبب الخلل الكامنة فيها؛ مثل تاثّرها بالتاريخية وأنه لا يمكن للمفسّر أن يتحرّر من قيود التاريخية والظروف الاجتماعية الحافّة به، فلذا يلحّ دلتاي على أنّ الإنسان كائن تاريخيّ، رغم أنه كان يخالف التاريخية وينقدها.

وثانياً: لا يقدّم دلتاى بيان منسجماً متلائماً متناسقاً من نظريته التأويلية، ولا يذكر أن الكشف عن تجارب الحياة كيف يؤدّى إلى عينيّة القضايا في العلوم الإنسانية.  مع أن مفهوم "الحياة" في نظريته يعاني من الإبهام وعدم الوضوح.

وثالثاً: أنّ العلوم الإنسانية لا تتّبع منهجاً واحداً بل تختلف المناهج في العلوم الإنسانية باختلاف موضوعاتها ومسائلها، على سبيل المثال المنهج المتَّبع في علم التاريخ هو المنهج النقلى، والمنهج المتَّبع في الفلسفة والمنطق هو المنهج العقلى، والمنهج المتَّبع في علم الاجتماع هو التحقيقات والبحوث الميدانية والمنهج الشائع في العرفان والتصوف هو المنهج الشهودى والكشفىّ، وهناك أيضاً مناهج تركيبية في بعض العلوم الإنسانية، فلا يمكن اقتراح منهجية مشتركة موحَّدة لجميع العلوم الإنسانية.

رابعاً: لا يخفى أن دلتاي يرى أنّ مهمّة العلوم الطبيعية هى "تفسير" الطبيعة وتبيينها ((Explain، ولكن مهمّة العلوم الإنسانية هى "فهم" ((Understand تعبيرات الحياة وتجليّاتها. فهناك تمايز وفرق جوهريٌّ بين العلوم الطبيعية والإنسانية.

ولكنّ المشكلة الكامنة في نظرية دلتاي هى الفصل والتفريق التامّ بين المنهجين للعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، بينما أنّ التوفيق المثمر بين المنهجين أمرٌ ممكن ومطلوب. إذْ "الفهم" ليس مقصوراً على الدراسات الإنسانية فقط، ولا "التفسير" والتبيين مقصوراً على العلوم الطبيعية، بل إنّ كليهما يعمل متآزراً مع الآخر بدرجات مختلفة في كلّ فعل حقيقيّ من أفعال المعرفة.

خامساً: إهمال الجانب اللغويّ وعدم الاعتناء بالقواعد العرفية العقلائية للفهم، لا يخفى أن العقلاء في حواراتهم العرفية يعتمدون على الظهورات اللغوية وأصالة الظهور، ويستخدمون القواعد المضبوطة اللغوية لفهم كلام الآخرين، ولكن نرى أن دلتاي أهمل هذا البُعد والعنصر الأساسيّ في فهم نوايا المؤلّف وركز على الجانب النفسيّ والسيكلوجيّ وفرديّة المؤلّف تركيزا مفرِطاً.

 

 

 



- Grondin, Jean, Introduction to Philosophical Hermeneutics, pp. 80- 84

- Collin, Finn: Social Reality, p. 106

- Paul Edvards, Encyclopedia of philosophy, Vol tow, p. 404

- عادل مصطفى، فهم الفهم، ص 121

- . Paul Edvards, Encyclopedia of philosophy, Vol tow, p. 404 وأنظر إلي: احمد واعظى،  درآمدى بر هرمنوتيك، ص 112

- Grondin, Jean, Introduction to Philosophical Hermeneutics, pp. 85- 86 . Paul Edvards, Encyclopedia of philosophy, Vol tow, pp. 405 - 406

- Paul Edvards, Encyclopedia of philosophy, Vol tow, p. 405

- المقصود من "التفسير والتبيين" هو كشف العلاقات والمناسبات السببيّة القائمة بين الظواهر الطبيعية، واستخراج قوانين ثابتة عن طريق عملية الاستقراء والاختبار التجريبيّ. ولكن "الفهم" من وجهة نظر دلتاي ليس مجرد نشاط فكريّ، بل هو بمعنى إعادة التجربة الذهنية والخبرة المعاشة لصاحب التجربة والخبرة، بحيث يجعل المفسّر نفسَه محلّ صاحب التجربة والخبرة ويحاول أن يعيد نفس التجربة النفسية والروحية له، ليفهمها بنحو مطلوب.

- عادل مصطفى، فهم الفهم، ص 127

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA


١١:٥٦ - 1399/04/10    /    شماره : ١١٢٥٠٤    /    تعداد نمایش : ٤٦٨


نظرات بینندگان
این خبر فاقد نظر می باشد
نظر شما
نام :
ایمیل : 
*نظرات :
متن تصویر: