تیتر اخبار



  چاپ        ارسال به دوست

جلسه ششم هرمنوتیک با موضوع " تحلیل مقایسه ای هرمنوتیک فلسفی و هرمنوتیک کلاسیک" برگزار گردید

 

 

 

 

 

جلسه ششم هرمنوتیک با موضوع " تحلیل مقایسه ای هرمنوتیک فلسفی و هرمنوتیک کلاسیک" برگزار گردید

و در پایان به چهار مورد از نقدهای وارد بر دیدگاه هرمنوتیک فلسفی پرداخته شد.

 

 


 

                                     محتوای جلسه ششم :

 


 

المقارنة بين المدرستين الكلاسيكية والفلسفية

 

كما ذكرنا سابقاً ؛ هناك اتجاهان أصليان في الهرمنوطيقا: الف)- الاتجاه الواقعي العيني المشهور بالاتجاه الكلاسيكي أو الرومنطيقي.

 

ب)- الاتجاه الذهني و"عدم الموضوعية" المعروف بالاتجاه الفلسفىّ : ينبغي هنا أن نقارن بين الاتجاهين الرّئيسيين في الهرمنوطيقا، ونتطرق إلى وجوه التمايز بينهما:

 

1- الاتجاه الواقعي والعيني أو الكلاسيكي ينظر إلى الهرمنوطيقا كمنهجية للفهم والتفسير الصحيح أو كآلة ومنهج عام للعلوم الإنسانية ويقترح أصولاً وضوابط عامّة للتجنّب عن سوء الفهم، فلا بد لقارئ النص ومفسّره أن يستخدم الأدوات والقواعد الأدبية واللغوية المضبوطة، ويحاول أن يعيد البنية الذهنية للمؤلّف من خلال التعرّف على بيئته التاريخية ليكتشف نوايا المؤلف ومقاصده. ومن أبرز المنتمين إلى الاتجاه الكلاسيكي والعيني هو:  مارتين كلادينوس، فردريك شلاير ماخر، فيلهلم دلتاي، اميليو بتي، اريك هرش. وهؤلاء ينظرون إلى هرمنوطيقا نظرة منهجية وابيستمولوجية محضة.

 

 ولكن الاتجاه الذهنى الفلسفى خلافاً للاتجاه العينىّ لا ينظر إلى الهرمنوطيقا باعتبارها منهجية للفهم الصحيح والصائب بل يعطى للفهم طابعاً وجوديّاً آنطلوجياً ويركّز على مهمّة وحيدة للهرمنوطيقا هي تبيين ماهية الفهم وحقيقته وكيفية تحقّقه كظاهرة مستقلة ينبغى التأمل والتفكير حولها. من أبرز المبدعين في الاتجاه الذهنى هو: مارتين هايدغر، جورج غادامير.

 

2-الاتجاه الكلاسيكى للهرمنوطيقا يرى أن المهمّة الأصلية والوحيدة للمفسّر وقارئ النص هي أن يبذل قصارى جهوده ليكشف اللثام عن مراد المؤلف أو المتكلّم ليعرف ما يريده المؤلف من إلقاء النص، فلذا يؤكد على أنه لا يجوز للقارئ والمفسر أن يعطى لافتراضاته المسبقة وخلفياته الفكرية وقبليّاته ونزعاته ورغباته دوراً في عملية فهم النص، فيجب عليه أن يجتنّب ويحذّر من الاعتماد على هذه المسبقات في فهم النصوص إذا أراد أن يفهم النص فهماً نزيهاً صافياً. وهذا هو المراد من "الفهم العينى". لذا يمكن تسمية نظرية الهرمنوطيقا الكلاسيكية بـ" أصالة المؤلّف".

 

ولكن في المقابل يرى الاتجاه الفلسفي للهرمنوطيقا أن عملية الفهم لن تتحقق من دون الاتكاء على القبليّات الذهنية والخلفيات الفكرية والتوقعات والرغبات الموجودة لدى قارئ النص. بعبارة أخرى أن معنى النص شيء وراء ما قصده المؤلف، بمعنى أن فهم النص وليد التحاور والتعامل النشط بين المفسر والنص. يركز غادامير على أن الفهم نتاج امتزاج الآفاق الذهنية للمفسر والنصّ، فليس غاية التفسير هو الكشف عن نوايا المؤلّف ومراده بل الفهم حادثةٌ تحدث وواقعةٌ تقع بسبب تناكح الآفاق الذهنية للمفسر والنصّ وبسبب إثارة التساؤلات بينهما. فليس فهم النص عند غادامير هو "إعادة المعنى" الذي كان في ذهن المؤلف وإحيائها وكشفه كما هو، بل الفهم عنده "إيجاد المعنى" وإنشائه وإحداث مدلول جديد له في ضوء جدلية خاصة بين الأفق الذهنى للمفسر وأفق النص. فالأفق الذهنى والمسبقات الفكرية للمفسر تُعدّ عرقلة وحاجزاً  كبيراً يحول دون الفهم الصحيح المطابق للواقع حسب ما يرومه المؤلف، وهذا هو المراد من "الفهم الذهنى" و" غير موضوعي". ويمكن تسمية نظرية الهرمنوطيقا الفلسفية بـ" أصالة المفسّر".

 

3- يرى الاتجاه الفلسفي للهرمنوطيقا أنه لا يمكن لقارئ النص أن يتعرّى من الأفق الذهنى ويتخلّص منه، بل الأفق الذهنى لا ينفك عن ذهن المفسر بحيث يلازمه ويرافقه في عملية الفهم. خلافاً للاتجاه الكلاسيكي الذى يرى أن المفسر يمكن أن يجرّد ذهنه عن الافتراضات المسبقة والقبليّات ويفسر النص بذهنية نقية صافية من دون أن يعطى دوراً للمسبقات والخلفيّات الذهنية في عملية فهم النص.

 

4- يركز الاتجاه الفلسفي للهرمنوطيقا على "تاريخية الفهم" بمعنى أن المفسر يعيش في بيئة تاريخية وثقافية حاضنة له بحيث لا يمكن له أن يجتاز هذه الفجوة التاريخية والفاصل الزمنى بينه وبين المؤلف ويكشف مراده الحقيقي من النص. إذن فهم المفسر من النص فهم تاريخي حسب الظروف الثقافية والاجتماعية التى تحيطه ولا يمكن له التخلّص منها. فالمفسر محبوس ومحدود في بيئته التاريخية والثقافية فلذا يفسر النص ويفهمه حسب حصاره التاريخي والثقافي.

 

خلافاً للهرمنوطيقا الكلاسيكية الذى يعتقد بأنه يمكن للمفسر أن يقطع المسافة الزمنية والمكانية التى بينه وبين عصر صدور النص ويكشف القناع عن مراد المؤلف في ضوء استخدام القواعد الأدبية ومعرفة الأحول النفسية للمؤلّف وبيئته الثقافية والاجتماعية والتاريخية التى كان يعيش فيها. فجميع هذه الآليات الثلاثة أعنى القواعد الأدبية واللغة، والأحوال النفسية والروحية، والبيئة الثقافية الحاضنة للمؤلف لها دورٌ عظيم في إعادة البنية الذهنية والعالَم الفكرى للمؤلف ويجب على المفسر أن يراعيها لكشف نواياه.

 

5- من منظار الهرمنوطيقا الفلسفية ليس هناك فهم نهائىٌّ حتمىٌّ للنص بحيث يتوقف معنى النص عنده، بل لا حدّ ولا نهاية لمعاني النص، لأن ماهية الفهم تتجلى في امتزاج فهم المفسر والنص. فالفهم المطلوب هو مزيج وخليط من الأفق الذهنى للمفسر والنص. فتتعدّد الأفهام والقراءات لنص واحد بحسب تعدّد الآفاق الذهنية والمسبقات والقبليات الفكرية للمفسر. فهناك غير متناهى من الأفهام والقراءات للنص واحد. خلافاً للتيار الكلاسيكي الذى يرفض المعاني اللامتناهية للنص ويركز على أن هناك فهم نهائي وأخير وهو كشف مراد المؤلّف من النص.

 

6- بناء على الهرمنوطيقا الفلسفية ليس هناك تفضيل وترجيح لفهم على فهم آخر، بل كلّ الأفهام والقراءات لنص واحد من ناحية القيمة المعرفية والصدقيّة متساوية، أقصى ما نقوله في الهرمنوطيقا الفلسفى هو أن الأفهام متفاوتة ومتغايرة، ولكن لا رجحان لفهم على الآخر. وعليه لا مجال لتقييم الفهم الصحيح وتمييزه عن الفهم الخاطئ، بل كل فهم صحيح وصائب.

 

يرى غادامير أن مؤلّف النص هو أحد مفسريه كبقية المفسرين له، وليس فهم المؤلّف ومراده من النص هو المعيار والمقياس للفهم الصحيح ولا يجب على الآخرين أن يتّبعوا فهمه ومقصوده، بل ليس هناك فضل ورجحان لفهم المؤلّف وتفسيره على ساير المفسرين وأفهامهم وتفاسيرهم.

 

وهذا بخلاف المنهج الكلاسيكي الذى يعتقد أن هناك معايير وضوابط ثابتة ومدروسة لتمييز الفهم الصحيح من الفهم الخاطئ، فهناك مرجّحات لتشخيص الفهم الصحيح.

 

7- يرى التيار الكلاسيكي للهرمنوطيقا أن "اللغة" تُعدّ آلة ووسيلة أصلية لنقل المعنا والمدلول، فالمفسر يحتاج إلى التفسير وكشف القناع عن إبهام الألفاظ والجمل دائماً. خلافاً للاتجاه الفلسفى الذى يعتقد أنه لا يجوز التفكيك بين اللغة والمعنا، فليست اللغة آلة ووسيلة لتأدية المعنى بل اللغة لها أصالتها ومحوريتها في منح الرؤى والأفكار. إذن اللغة هى محل امتزاج الرؤى والآفاق الذهنية، ولذلك يعبّر غادامير عن "امتزاج الآفاق الذهنية" بـ"امتزاج اللغات".

 

 

 

الدراسة النقدية لنظرية الهرمنوطيقا الفلسفية

 

1- هناك مجموعة من القضايا والمدّعيات العامّة في نظرية الهرمنوطيقا الفلسفىّ تناقض ذاتها وتُبطل نفسها كقضية:

 

" كل فهم يعتمد على الافتراضات المسبقة والأفق الذهنى للمفسر". هذه القضية بشموليّتها تشمل ذاتها، بمعنى: بناء على هذا الحكم العام هل نفس هذه القضية تعتمد على القبليّات والخلفيّات الافتراضات المسبقة للمفسر أم لا؟! إذا قلنا نعم، فهذا يستلزم أن يتعدد الفهم من نفس هذه القضية بتعدد المفسرين، فكل مفسر يفهم نفس القضية المذكورة في ضوء قبليّاته الخاصة وخلفيّاته الفكرية، وأفقه الذهنى وليس هذا إلا التناقض.

 

وإذا قلنا أن نفس هذه الجملة والقضية أعنى :" كل فهم يعتمد على الافتراضات المسبقة والأفق الذهنى" لا تعتمد على المسبقات الذهنية فإن ذلك يستلزم أن تنتقض كليّة هذه القضية وشموليتها لأن هناك مصداق واحد من الفهم لا يعتمد على الأفق الذهنى والافتراضات المسبقة وهو نفس هذه القضية وهذا أيضاً موجب للتناقض.

 

كذلك القضية الكليّة: " كلّ فهم تاريخىٌّ ومتولّد في بيئة ثقافية حاضنة له" فنسأل: هل نفس هذه القضية تاريخية أم لا؟ إذا قلنا نعم هذه القضية في حد ذاتها تاريخية تكوّنت في بيئة ثقافية وتاريخية خاصة، فهذا يستلزم أن يختلف فهم مَن يعيش في هذا العصر من هذه القضية عن فهم من يعيش في بيئة تاريخية أخرى متغايرة معها. وإذا قلنا ليس فهم هذه القضية تاريخيّاً ومحصوراً في بيئتها الحاضنة لها، تنتقض شموليّة هذه القضية وهى : " كلّ فهم تاريخىٌّ"، بل هناك مصداق واحد من الفهم ثابت ومطلق ولا يتغيّر بتغيّر الظروف التاريخية وهو فهم هذه القضية نفسها.

 

2- المشكلة الأساسية التي تعانى منها نظرية الهرمنوطيقا الفلسفية هي مشكلة "النسبيّة" (Relativism). "النسبيّة" بمعنى أن تفسير النص يتوقف على الظروف والأرضية التاريخية المحدّدة والبيئة التي يعيشها المفسر ويفكر وفقها. وهذا يعنى أنّه ليس هناك معيار وميزان ثابت ومطلق لتمييز الفهم الصحيح من الفهم الخاطئ، بل بناء على الهرمنوطيقا الفلسفية كلّ فهم صائب وصحيح. وبعبارة أخرى: بناء على النسبيّة، المقصود من هذه القضية : "معنى النصّ كذا"، هو بمعنى:" أنّ معنى النص يبدوا لى كذا".

 

هذا المبدأ الذى يتبنّاه غادامير من : "أن كلّ فهم يعتمد على الافتراضات المسبقة والقبليات الذهنية والخلفيّات الفكرية للمفسر" هو السبب الرئيسىّ للنسبية. فبما أن كلّ مفسّر يحمل مسبقات وقبليّات ذهنية خاصة، فهناك تكثّر في فهم النصوص بتكثر المفسّرين وبتكثر الآفق الذهنية، وهذه النتيجة خطيرة جداً بحيث تدمّر ذاتها، لأن نظرية "الهرمنوطيقا الفلسفية" نفسها تتعرّض لخطر النسبيّة لأنّ كلّ مفسّر وقارئ يفهم نظرية الهرمنوطيقا الفلسفية وفق الافتراض المسبق والأفق الذهني الذى يحمله فليس هناك فهم ثابت ومطلق بالنسبة إليها وهذا هدم وتدمير للهرمنوطيقا الفلسفية، لأنها تستبطن نقيضها في ذاتها.

 

من جملة هذه المبادئ "أن الفهم وليد امتزاج آفاق المفسر الذهنية وآفاق النص"، فبما أن هناك تعدّد وتكثّر في الآفاق المعرفية للمفسّرين فذلك يستلزم النسبيّة في عملية الفهم. وكلّ مفسر يفهم النص حسب آفاقه الفكرية والمعرفية.

 

وكذلك مسألة تاريخية الفهم و "أن الفهم حادثة تاريخية" و"كل فهم تاريخىٌّ"، فكل مفسر يفهم النصّ حسب بيئته التاريخية الحاضنة له وهذا أيضاً ينتج النسبيّة وتعدّد الأفهام والقراءات المتكافئة والمتساوية. يتّهم التيارُ الفلسفية الهرمنوطيقا العينىَة و"الموضوعية" بالدّوغمائية والتصلّب، ولكن التورّط في النسبيّة يحطّم الهرمنوطيقا الفلسفى من الداخل تحطيماً. بعبارة أخرى أن الاتجاه الفلسفى ينكر الواقعية بالمعنى الدقيق للكلمة ولا يرى أن معيار الحقيقة ليس مطابقة القضايا للواقع، بل الحقيقة هوية سيّالة ديناميكية وفق الجدلية القائمة بين هذا الأفق الذهنى للمفسر وبين النص.

 

3- يعتقد غادامير : بأن الفهم حصيلة حوار وتساؤل بين المفسر والنص. هذا الحوار بين المفسر والنص يتمثّل في بنية السؤال والإجابة المتبادلة بينهما، وهذا هو المراد من الجدليّة بين النص والمفسر. فكما أنّ المفسّر وقارئ النص يسائل النصّ ويعرض الأسئلة عليه، فكذلك النصّ يسائل المفسّر ويسأله، فهناك تسائل متبادل وإجابات متبادلة بين المفسّر والنص.

 

 بعبارة أخرى يعتقد غادامير بأنّ  كل خطاب ومعرفة كاشفة عن موضوع ما مسبوقٌ للسؤال، ولهذا يتقدم الجدل عبر السؤال والجواب، أو أن سبيل كلّ معرفة تمرّ من خلال السؤال.

 

هذا الادعاء أعنى علاقة التحاور والتسائل المتبادل بين المفسر والنص كالتحاور بين الشخصين، محلّ تأمّل ومناقشة جادّة، كيف يمكن للنص أن يستفسر المفسّرَ ويعرض عليه الأسئلة؟! نعم يمكن للمفسّر أن يستفسر النص ويستنطقه ويعرض عليه أسئلة متلائمة مع مضمون النص، ولكن من جهة النص ليس الأمر كذلك، هل النص يقدر على أن يستفسر المفسّر ويستنطقه ويعرض عليه الأسئلة حقيقة؟! كلا، يمكن للنص أن يجب على بعض الأسئلة المطروحة في ذهن القارئ والمفسر نيابة عن المؤلف، ولكن لايتيسر للنص أن يستفسر ويسأل ويعرض الأسئلة على المفسر. إذن ليست نسبة المفسر والنص كنسبة التحاور والتسائل بين الشخصين كما يراه غادامير، وهذا ادعاء فارغ من الدليل.

 

يمكن الإشكال على الجدلية بين المفسر والنص بشكل آخر وهو: عرض الأسئلة والاستفسار على النص واستنطاقه من قبل المفسر أمر معقول وممكن، ولكن إثارة الأسئلة والتساؤلات والاستفسار الحقيقي من قبل النص على المفسر ليس بصحيح. كيف يمكن للنص أن يسأل المفسّرَ ويحاوره ويستفسره حقيقة من دون  أن يكون له معنى محصّل ومتميّز؟! بعبارة أخرى: أن التحاور وعرض الأسئلة من قِبل النص على المفسر مسبوق بالمعنى المكنون في جوف اللفظ، كيف يمكن للنص وهو فارغ من أي معنى ومضمون أن يعرض الأسئلة والتساؤلات على المفسر؟!

 

 إلا أن نعترف بأن هذا التساؤل والتعامل بين النص والمفسر نوع من المجاز والاستعارة والتمثيل الذى لا واقع له ورائه. ولكن هذا يزعزع أركان نظرية الهرمنوطيقا الفلسفية وهو أن الفهم متكوّن ومتشكّل من امتزاج أفق المفسر والنص، لأنه حسب الفرض تمثيل واستعارة محضة.

 

4- يعتقد غادامير أن عملية الفهم تتوقف على إثارة الأسئلة من قِبل المفسر على النص، فلولا أسئلة المفسّر واستفساره من النص لما حصل فهمٌ. فكل فهم مسبوقٌ بطرح الأسئلة المسبقة وعرض التسائلات على النص من قِبل المفسر.

 

ولكن هذا الادعاء بكليته وشموليته باطل، لأنّه أولاً: هذا الادعاء العام فارغ من الدليل ولا يدعمه برهان وحجّة.

 

 ثانياً: هل فهمُ نظرية غادامير نفسها يتوقف على أسئلة المفسر لها مسبقاً؟! كلا. لأن الغرض من قراءة النص وتفسيره ليس منحصراً في عرض الأسئلة على النص من قِبل المفسر واستفساره له، بل يمكن للقارئ أن يقرأ النص استمتاعاً وتنزّهاً ولأجل الالتذاذ الفكرى والروحى أو أغراض أُخر. فليس فهم النص يتوقف تماماً على عرض الأسئلة على النص واستفساره.

 

ثالثاً: الذى يكتشف المعالم الأثرية والآثار العتيقة المتبقية من العهد القديم لأول مرّة  كالكتابة المسمارية والنقوش المرسومة على الأحجار والطين وليس له أسئلة مسبقة على هذا الكشف وهو فارغ الذهن من أىّ سؤال مسبَق، هل يمكن أن نقول: لا يحصل للمكتشف لهذه الآثار القديمة فهمٌ منها لأنه ليست له أسئلة مسبقة؟!كلا. فإن المكتشف يستطيع أن يفهم هذه الكتابة المسمارية والنقوش على الأحجار في ضوء بعض القواعد اللغوية والقرائن والشواهد التاريخية. وهذا نقض مهم يرد على نظرية غادامير.

 

 5- إهمال مقصود المؤلف ومراده من إنشاء النصّ وإلقائه يعدّ من أهم الإشكاليات الواردة على نظرية الهرمنوطيقا الفلسفية. فما هو غرض المؤلف والمتكلّم من إلقاء النص والكلام؟ يعتقد غادامير بأنه لا يهمّنا ماذا أراد المؤلف من إلقاء كلامه، بل المؤلّف نفسه يعتبر أحد المفسّرين للنصّه كبقيّة المفسرين له، ولا رجحان لفهمه على فهم الآخرين. وهذا يبطل غرضَ التفهيم والتفاهم في التحاورات العرفية.

 

 وبعبارة أخرى: إن نظرية غادامير أهملت الجانب الدّلالىّ (Semantik) وعلاقة اللفظ بالمعنى في نظريته وضَخّم دورَ القبليّات والافتراضات المسبقة في عملية الفهم والتفسير. فلا شك أن هناك علاقة وثيقة بين اللفظ ومعناه وأن المنهج العقلائىّ للتحاور والتفاهم يعتمد على "أصالة الظهور" والمعانى المتبادرة من اللفظ إلى ذهن القارئ، بحيث يعتمد عقلاء العالم في التحاورات والتعاملات اليومية على ظواهر النصوص والكلام ويبنون معيشتهم وحياتهم الاجتماعية على هذا المنهج العرفى العقلائى للتفاهم. لذا يقول علماء أصول الفقه في هذا المجال :

 

" إذا علمنا بأن المتكلم يكون فى مقام تفهيم المراد ونعلم أنه لم ينصب قرينة مع الالتفات تصرِف اللفظ عن ظاهره نقطع بأن مراده هو ما يستفاد من ظاهر اللفظ، إذْ لو لا ذلك لزم الالتزام بأنه تصدى‏ لنقض غرضه عمداً، وهذا مستحيل، ولا يختص ذلك بمورد يكون المتكلم حكيما، بل العاقل لا يعمل عملا يكون فيه نقض غرضه، سواء كان حكيما أم لا، وهذا واضح".

 

وحتى صاحب نظرية "الهرمنوطيقا الفلسفية" لأجل تفهيم ما يريد إلقائه إلى المخاطب والقارئ اعتمد على هذا المنهج العقلائي والعرفي للتفهيم والتفاهم إذا أراد غادامير أن يوصل إلى المخاطب والقارئ مراده من نظرية الهرمنوطيقا الفلسفى هو تحليل حقيقة الفهم وشروط تحققه وليس غير ذلك، فلذا لا يسمح غادامير للمفسر الذى يريد أن يفهم نظريّته أن يفهمه حسب افتراضه المسبق وقبليّاته الذهنية؛ لأنّ في هذا هدمٌ لنظريّته وإفسادٌ لها. إذن لا يمكن تجاهل هذا المنهج الشامل العقلائى الذى يتّكأ عليه عقلاء العالم في حواراتهم وعلاقاتهم الاجتماعية وإلا لاختلّ النظام الاجتماعى والتحاورات العرفية ولم يبق حجرٌ على حجر.

 

6- هناك تناقض واضح في كلمات غادامير، فإنه تارة ينكر وجود المعيار والميزان لتمييز الفهم الصحيح من الفهم الخاطئ، ويرفض نظرية شلاير ماخر والمدرسة الكلاسيكية لأجل احتوائها على هذا المعيار. ولكن في نفس الوقت يناقض رأيه ويميز من حيث لا يشعر بين الافتراضات المسبقة الصحيحة وبين الافتراضات المسبقة الخاطئة، ويعتقد أن الافتراضات المسبقة الصادقة والصحيحة هى منشأ الفهم الصحيح، والافتراضات المسبقة الكاذبة والخاطئة هى سبب الفهم الخاطئ! يصرح غادامير بأنه لا يجوز للمفسر أن يعتمد على المعانى المسبقة الاعتباطية (arbitrary) وغير مضبوطة وغير ملائمة للنص في عملية الفهم لأنه يستلزم سوء الفهم (mis understanding) ، يقول غادامير :

 

"فمن المناسب للمؤوّل تماماً ألّا يقارب النصّ مباشرة، معوّلاً فقط على المعانى المسبقة المتاحة له، بل حري به أن يفحص بوضوح شرعية المعانى المسبقة الكامنة فيه؛ أى أصلها وصحتها."

 

 والسؤال الذى يطرح هنا: ما هو المعيار والميزان الصحيح لتمييز الافتراضات المسبقة الصحيحة من الخاطئة؟! نفس هذا المعيار والميزان يمكن تطبيقه في موضوع الفهم الصحيح من الفهم الخاطئ. فلماذا يعتقد أن فهم المفسرين من ناحية القيمة المعرفية سواسية ولا رجحان لفهم على فهم آخر؟! وهذا تناقض واضح في كلام غادامير.

 

7- يعتقد غادامير بأن المفسر حينما يفسر النصّ لا يمكن ولا يعقل أن يتخلّص ويتحرّر من مسبقاته الذهنية وخلفياته الفكرية ونزعاته الخاصة فهو محصورٌ ومحبوسٌ دائماً في هذه الافتراضات المسبقة، فالفهم أمر تاريخىّ مقيّد ببيئة المؤلف وثقافته. ولا يمكن لقارئ النص أن يكون له فهم عينىٌّ خالصٌ مطابقٌ للواقع ولما أراده المؤلف.

 

وبعبارة أخرى: كأن نظرية «أصالة المفسّر» تعتقد بنوع من الجبر فيما يتعلق بالمسبقات الذهنيّة والقبليّات الفكرية، بحيث لا يقدر المفسّر على أن يُخلّص ذهنه منها، ولكن هذا الادعاء ليس بصحيح، إذ ليس هناك جبرٌ واضطرارٌ من ناحية الافتراضات والمعانى المسبقة في ذهن المفسر، بل يستطيع المفسّر أن ينظر إلى النصّ بشكل حرّ، وخالي من المسبقات والنّزعات والتطلّعات الذهنية. وهذا ما نجرّبه طيلة حياتنا العلمية ونفهم الكتب والمقالات فهماً خالصاً من شوائب المسبقات والخلفيات الذهنية وفي بعض الأحيان نقوم بنقدها وتقييمها. على سبيل المثال نحن نقرأ كتاب " الوجود والزمان" لهايدغر أو كتاب "الحقيقة والمنهج" لغادامير ونفهمهما فهماً خالصاً ونكتشف نوايا مؤلّفهما من دون أن نعطى لمسبقاتنا الذهنية دوراً في فهم مقاصد المؤلف. فلو اعتمدنا على قبليّاتنا ومفروضاتنا المسبقة في فهم هذين الكتابين لما استطعنا أن نتعرّف على نوايا مؤلفهما ولم نفهم ما يريد أن يوصله هايدغر وغادامير إلى القارئ.

 

المثال الآخر: الطالب الذى حصل على درجة "أحد عشر" في الامتحان ويقرأ سجلّ الدرجات والنتائج، يحب ويهوى أن يفسر ويفهم ما هو المكتوب في السجلّ الدرجةَ "عشرين" ولكن هذا الحبّ والهوى لا يؤثر في فهم سجلّ الدرجات والنتائج كما هى في الواقع، وكذلك المجرم والجانى الذى حكم عليه القاضى بقصاص القتل يحب أن يطبّق حكم القاضى على مشتهياته ونزعاته وهواه ويفهم نصَّ الحكم كما يهويه ولكن هذه المشتهيات والمسبوقات الهنية لا تغيّر الواقع ولا تجعل نص الحكم ملائماً لهواه. إذن ينبغي للمفسّر أن يبذل قصارى جهوده لكشف مراد المؤلّف وما يرومه أن يُلقيه إلى المخاطبين.

 

نعم، الحق هو أنه لا شك أن لبعض المسبقات الذهنية وقبليّات المفسر كالعلوم الآلية والتمهيدية دوراً وتأثيراً في عملية الفهم، ولكن ليس هذا الدور والتأثير من المكوّنات الأصلية للفهم والتفسير بحيث يغيّر جوهر الفهم ومضمونه، بل له دورٌ جانبىّ في عملية الفهم، كالدور الذى تلعبه الأدوات اللغوية والأدبية في فهم النصوص. لكن محل النزاع في الهرمنوطيقا الفلسفى ونظرية غادامير هو: أن جميع الافتراضات المسبقة والقبليّات الذهنية للمفسر بنحو الموجبة الكلية يلعب دوراً جوهريّاً في عملية الفهم، بحيث يتغير الفهم بتغيّر هذه القبليات والمسبقات والآفاق الذهنية، وهذا ادعاء لا يدلّ عليه دليل وبرهان.

 

8-إذا كان كل فهم يتوقّف على افتراض مسبق وقبليّات وخلفيّات فهذا يستلزم إمّا الدور أو التسلسل، لأن فهم نفس ذلك الافتراض المسبق أيضاً يتوقف على افتراض مسبق وهلمّ جرّاً الى غير النهاية، ويؤدّي إلى التسلسل الممتنع، فلا بدّ لنا من فهم بديهيّ لايسبقه الافتراض المسبق أو الأفق الذهني ، وهذا الأمر البديهى هو قضية " امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما". فليست هذه القضية التى يُعبّر عنها بأبده البديهيات أو أمّ القضايا مسبوقة على قبليّات ومسبقات وخلفيّات. إذن لا طريق أمامنا إلى خيارين: إمّا أن نعتنق التسلسل المحال وهو تسلسل الافتراضات المسبقة إلى غير النهاية، وإمّا أن نلتزم بوجود بديهيّات مسبقة لا تتوقف على افتراض مسبق وهو الحق.

 

9-من أهم المبادئ التى يعتمد عليها نظرية غادامير هو" تاريخية الفهم"، فلا يمكن نقد الهرمنوطيقا الفلسفى إلا بعد تقييم "تاريخية الفهم."  كأنّ نظرية الهرمنوطيقا الفلسفية جعلت حاجزاً ومانعاً مرتفعاً بين الحال والماضي، بحيث لا يمكن للمفسّر أن يجتاز الفجوة التاريخية والفاصل الزمنىّ بين المفسر والنص ويصل إلى مغزى ما أراده النص. فلو كان هذا الكلام صحيحاً لا يمكن أيضاً لكلّ من المعاصرين في الوقت الرّاهن أن يدرك مقاصد الآخرين ونواياهم، إذ لكلّ واحد من أفراد المجتمع - في الوقت الحاضر- قبليّات ذهنيّة وأفق ذهنيّ خاصّ، وكلٌّ يفهم كلام الآخر حسب مسبقاته الذهنية وتطلّعاته وتوقعاته. وهذا يستلزم إنسداد باب الفهم والتحاور بين الناس في مجتمع واحد وفي زمان واحد، وهذا يؤدّي إلى الفوضى وإختلال النظام فيه.

 

10- يفسر غادامير " الحقيقة" تفسيراً متمايزاً عمّا هو المشهور في نظرية المعرفة، إذْ يعتقد أن الحقيقية ليست بمعنى مطابقة القضية والفكر للواقع العينى، فليست الحقيقة وصفاً للقضية والكلام والفكر، بل الحقيقة عنده تساوى الفهم، فكل ما يفهمه المفسر فهو حقيقة، فالحقيقة والفهم متلازمان فكلّما حصل الفهم من شيء ظهرت حقيقته. وهذا يستلزم أن يكون كلّ فهم حقيقة وأيضاً يستلزم أن لا يوجَد فهمٌ خاطئ وغلط. هذا التفسير من الحقيقة مرفوض وباطل، لأنّه أولاً: هناك إبهام وتشويش في كلمات غادامير حول استعمال لفظ الحقيقة فإنه تارة يستعمل الحقيقة كوصف للموجودات الخارجية كما استعملها لنفس الآثار الفنيّة في الخارج، وتارة يستعملها كوصف للفهم والقبليّات الذهنية وهذا تناقض واضح في كلامه.

 

ثانياً: هذا التفسير والفهم من الحقيقة لا يدعمه دليل ولا برهان، بل لا يذكر غادامير دليلا لردّ سائر المعانى والتفاسير من الحقيقة.

 

ثالثاً: إذا قلنا أن الحقيقة هى ما تساوى الفهم وهما متلازمان، فهذا يستلزم التورّط في النسبيّة المعرفيّة التى تناقض ذاتها وتدمّر نفسها، لأن هذا التعريف من الحقيقة يقتضى أن يكون نقيضها حقاً وصادقاً. من جهة أخرى ليس هناك معياراً وميزاناً وضابطةً لتمييز الصدق من الكذب والحق من الباطل فيما يفهمه الإنسان من النصوص والحقائق.

 

ينبغى في الأخير أن نشير إلى نقطة مهمّة وهى: أن الفهم ینقسم إلی قسمین: "الفهم الطولي أو البطنىّ" و"الفهم العرْضي أو الظاهرىّ"، المقصود من الفهم الطولي هو البطون الموجودة في لفظ واحد، والتي نعبّر عنها بالمعاني البطنیّة وطبقات المعنى، کما وردت في الروایات الإسلامیة "إنّ القرآن له ظهر وبطن". وتعني أن کلّ مفسّر حسب بضاعته من العلم والطهارة الرّوحیة یفهم مرتبة خاصة من المعاني الباطنیة. يقول العلامة الطباطبايي حول المعاني الطولية للقرآن الكريم:

 

 " أن للقرآن مراتب مختلفة من المعنى، مترتبة طولا من غير أن تكون الجميع في عرض واحد فيلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، أو مثل عموم المجاز، ولا هي من قبيل اللوازم المتعددة لملزوم واحد، بل هي معان مطابقية يدلّ على كل واحد منها اللفظ بالمطابقة بحسب مراتب الأفهام".

 

وهذا المعانى الباطنية لا تعارض بينها بل يكمّل بعضها بعضاً، وأيضاً لا یعارض المعنى الباطنى المعنی الظاهري من القرآن. يعترف بعض أتباع الفكر الحداثىّ بالفهم الطولىّ للكلام الإلهي ويقول :

 

" ورد في الروايات أنّ الكلام الإلهي ذو بطون بحيث إنّنا إذا كشفنا الطبقة أو القشرة الأولى في معنى النص لظهرت لنا طبقة أخرى من المعنى، وأحد الأسباب الكامنة في هذه الظاهرة هو أنّ الواقع يتضمّن التعدّد في باطنه، وبما أنّ الكلام يحكى عن الواقع ويكشف الستار عنه فسيكون متعدداً بالتبع".

 

الفهم العرضي بمعنی تعارض الفهمین من ظاهر نصّ واحد بحيث يطرد معنى من النص المعنى الآخر منه، فاذا فهم شخصٌ من ظاهر النص ما یناقض فهم الآخر، فهذان الفهمان في عرض واحد. نحن وإن لم نقبل الفهم العرضي؛ لأنه یؤدّي إلى التناقض، ولکن نعترف بصحّة الفهم الطولي والبطنىّ، لأنه لا تعارض بین ما فُهم من الظاهر وما فُهم من الباطن.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p.297

- نظريه تفسير متن، احمد واعظى، ص161

- هرمنوتيك فلسفى گادامر در بوته نقد، غفارى، ص 108

- ديويد كوزنزهوى، حلقه انتقادى، ص 171

-  Richard E. Palmer, Hermeneutics, p.245

-  Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, pp. 369, 374,378

- غادامير، الحقيقة والمنهج، ص 484

- مجله نقد ونظر، رقم 5و6، مقالة هرمنوتيك، لوازم و آثار،70

- الحائرى اليزدي، عبد الكريم، درر الفوائد، ص: 360

- غادامير، الحقيقة والمنهج، ص 370

- Richard E. Palmer, Hermeneutics, p. 183

- رابرت م. گرنت دیوید تریسی، تاریخچه مکاتب تفسیری و هرمنوتیکی کتاب مقدس، ص 328

- رابرت م. گرنت دیوید تریسی، تاریخچه مکاتب تفسیری و هرمنوتیکی کتاب مقدس، ص 329

- شيخ حر العاملى، وسائل الشيعة، ج27، ص 182

- الطباطبايي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص 64

- عبد الكريم سروش، الصراطات المستقيمة، ص 17


١١:٥٣ - 1399/05/01    /    شماره : ١١٢٨٥٤    /    تعداد نمایش : ١٦٦


نظرات بینندگان
این خبر فاقد نظر می باشد
نظر شما
نام :
ایمیل : 
*نظرات :
متن تصویر: