تیتر اخبار



  چاپ        ارسال به دوست

جلسه پنجم هرمنوتیک تحت عنوان "تحلیل و نقد دیدگاه هانس جورج گادامر برگزار گردید.

                         

در این جلسه دیدگاه هانس جورج گادامر در باب هرمنوتیک مورد تحلیل قرار گرفت و لوازم و پیامدهای خطیر آن برجسته گردید. در جلسه آینده به حول و قوه الهی  نظریه هرمنوتیکی گادامر مورد نقد و ارزیابی قرار خواهد گرفت.

 باسم الله الرحمن الرحيم

1- تركت آراء ونظريات مارتين هايدغر أثرا بالغا على المفكر الألماني هانس جورج غادامير الذي عاش في القرن العشرين حيث بذل جهوداً حثيثة من أجل تبيين وتأصيل الهرمنوطيقا الفلسفية.

الهرمنوطيقا طبق غادامير ذات طابع وجودى (آنطولوجى)؛ بمعنى أن الغرض الرئيسي من الفهم هو التأمّل في ماهية "الفهم" وكيفيّة تحقّقه وتكوّنه، وليس الغرض منه هو اقتراح منهجية خاصة للفهم.

 في المقابل كان الطابع الغالب على الهرمنوطيقا الرومانطيقية التي ركز عليها شلاير ماخر هو اقتراح منهج قويم للفهم الصحيح من النص وتجنّب سوء الفهم.

2- يمكن تلخيص نظرية غادامير حول حقيقة الفهم في ضمن النقاط التالية :

الف)- بناء على الاتجاه الرومانطيقى والكلاسيكى للفهم فأن المفسر يبذل قصارى جهده، فيستخدم القواعد الأدبية واللغوية والقرائن الحالية والمقامية وحتى الخصائص النفسية للمؤلف لكشف مراد المؤلّف ونواياه، فالمبادرة هنا بيد المؤلّف وهو الذى يأخذ بزمام التفسير والفهم ويديره حسب القواعد والضوابط الممهدة للفهم الصحيح. لكن غادامير في قبال هذا الرأى يعتقد بأن "الفهم" واقعة وحادثة (event)  يفاجئها المفسر ويواجهها ويرى نفسَه ملقاة ومرميّاً فيها من دون اختيار وتمهيد مسبَق، فليس زمام الفهم والتفسير بيد المؤلّف بل هو أحد اللاعبين في مضمار الفهم وليس هو الناشط الوحيد الذى يستخرج المعنى من اللفظ، فالفهم هو الّلعب الذي يلعب فيه اللاعبون المتعدّدون والمؤلف من جملتهم. وبعبارة أخرى هناك عوامل متعددة تلعب الدور في إنتاج المعنى وتوليده، والمؤلف أحد هذه العوامل، إلى جانب عوامل أخرى مؤثرة في إيجاد المعنى.

ب)- يعتقد غادامير بأن الفهم حصيلة حوار وتعامل وإثارة للتسائلات بين المفسر والنص. هذا الحوار الذي يجري بين المفسر والنص يتمثل في الأخذ والرد الذي يكون بينهما، عن طريق الأسئلة والأجوبة المتبادلة بينهما، وهذا هو المراد من الجدليّة بين النص والمفسر. وبعبارة أخرى ليس المفسر هو الوحيد الذي يسأل النص ويحاوره ويستنطقه في ضوء قبليّاته الذهنية وافتراضاته المسبقة، بل النص أيضاً يسأل المفسرَ ويفتح آفاقاً جديدة لذهنه. لذا يقول غادامير :

" إنّ الظاهرة التأويلية تدل ضمناً أيضاً على أولوية الحوار، وعلى بنية السؤال والجواب. فالنصّ التاريخى الذي يصير موضوعاً للتأويل يعنى أنه يطرح على المؤوِّل سؤالاً. لهذا يتضمن التأويل دائماً علاقة بالسؤال الذي طُرح على المؤوِّل. ويعمّى فهمُ النصّ فهمَ هذا السؤال. ولكن هذا يحدث من خلال إحرازنا أفقاً تأويليّاً. ونحن نميّز الآن هذا الأفق بأنه أفق السؤال الذى في داخله يتقرر معنى النصّ...ونحن نفهم معنى النصّ من خلال اكتساب أفق السؤال وحسب، أفق يتضمن إجابات أُخَر مكنة."

كذلك يقول ريجارد بالمر امتزاج الآفاق :

" إن المهمّة الرئيسيّة لعلم الهرمنوطيقا هي توفير الأرضية للتحاور والتسائل فيما بين النص والمفسر، بحيث يخاطب النصُّ المفسّرَ ويسائله مرة، ويخاطب المفسّرُ النصَّ ويسائله مرة أخرى. وهذا يستلزم أن يخرج النص من الغربة والثبات ويتحوّل إلى موجود حىٍّ ونشِط ومنفتح. علينا أن نسمح للنص حتى يكلّمنا، ليس المفسِّر كشيءٍ منفعل أمام النص بل المفسّر له تأثير ودور في عملية الفهم، إذن ذهن المفسر يجب أن يكون منفتحاً أمام النص ويسائل النص وهذا هو الجدلية بين المفسر والنص. جدلية السؤال والجواب بين المفسّر والنصّ يستلزم اتّصال الآفاق وامتزاجها. وهذا الامتزاج بين الأفق الذهنى للمفسر وبين النصّ يتحقق بواسطة اللغة."

 إذن يتولّد "الفهم" ويتشكّل من الامتزاج والاختلاط بين الأفق المعرفى والذهنى للمفسر والأفق المعرفى للنص وهذا هو المسمّى بـ"امتزاج الآفاق" ((fusion of horizons. وحسب تعبير غادامير:" إنّ عملية التفسير هى أشبه بالتلاقى أو الذوبان بين أفق المفسّر وأفق النصّ". فيتساهم في عملية الفهم المفسّرُ والنصُّ كليهما معاً.

 فهناك تناكح وتزاوج بين الأفق الذهنى للمفسر وبين أفق النص، فالفهم وليد التناكح والتزاوج بين الأفقين وهو مولود جديد متميّز. المراد من الأفق الذهنى هو أن الافتراضات المسبقة والقبليات الذهنية للمفسر تتسبّب في إيجاد منظر خاص ورؤية جديدة. هذا الأفق الذهنى هو بمثابة نظّارة ملوَّنة على عين كل إنسان بحيث يختلف لون زجاجة النظارة لدى كل فرد من أفراد المجتمع، فكلّ فرد يرى العالَم بنظارة خاصة ولون خاص، فبعض يرى الأشياء حمراء لأن لون زجاجة نظارته أحمر، وبعض يرى العالَم أخضراً حسب اللون الأخضر لنظارته وهكذا، فبحسب عدد أفراد المجتمع هناك نظارات متعددة ذات ألوان متفاوتة. كذلك هناك آفاق ذهنية متعددة ومتكثّرة بعدد أفراد البشر في العالم وكلٌّ يفسر ويقرء نصّاً واحداً في ضوء أُفقه الذهنى وزاويته الفكرية الخاصة.

الجدير بالذكر أن الأفق المعرفى والذهنى للمفسر وليد توقعاته ونزعاته وقبليّاته الذهنية وافتراضاته المسبقة، ومن جهة أخرى ؛ هذه القبليات والمسبقات المركوزة في ذهن المفسر نتاج التاريخ والسنّة (tradition)، المراد بالتاريخ والسنة هو التراث المتبقى من التفاسير والقرائات المحققّة حول ذلك النص، إذن المسبقات والقبليات الذهنية تتأثر من التفاسير التى أنجزت حول ذلك الأثر طوال التاريخ.

 يركز غادامير على أن الأفق الذهنى والمنظار المعرفى للمفسر يتحوّل ويتطوّر ويتبدّل دائماً طيلة حياة المفسر. فالفهم المنتَج من هذا الأفق المعرفىّ المتغير، يتطوّر ويتحوّل بتحوّل الأفق المعرفىّ. فليس لنص واحد فهماً ثابتاً نهائيّاً بل الفهم يتحوّل بتحوّل الافتراضات المسبقة للمفسر، فالفهم أمرٌ تاريخىٌّ سيّال. وهذا هو المقصود من "تاريخيّة الفهم" في منظور غادامير. فلذا أن للقبليّات والمعلومات المسبقة دوراً مهمّاَ في عملية الفهم؛ فلذا يصرّح غادامير بأن الافتراضات المسبقة والقبليّات شرط تحقق العلم، وأن الفهم ينطلق منها.

 يرى غادامير أن عملية الفهم هى البحث والفحص عن إجابة لتساؤلات المفسر وتوقّعاته ومتطلّباته، وهذه التساؤلات والأسئلة المعروضة على النص هي التي تُحدّد أبعاد الفهم وإطاره المعيّن. متى يتكلّم النص معَنا؟ حين تُعرض عليه التساؤلات والأسئلة العصرية التي تهمّ المفسرَ وتختلج في باله. من ناحية أخرى هذه التساؤلات والتوقعات تنبثق من الموقع الهرمنوطيقي والأفق الذهني للمفسر.

وبعبارة أخرى: عندما يواجه المؤوِّلُ النصَّ يختلج سؤال في باله فيحاول أن يجيب عليه عن طريق تأويل النصّ، فليست عملية فهم النص إلا الإجابة على هذا السؤال الذى تمّ عرضه على النصّ."

ج)- قد ذكرنا أن هايدغر يعتقد بأن البنية المسبقة للوجود الإنسانى لها ثلاث مستويات: 1-" الممتلكات المسبَقة"(fore having) 3-" الرؤية المسبَقة" sight) (fore 3-" التصورات المسبَقة"conception)  (fore. فقد تأثر غادامير بهذه المستويات والمراحل المسبقة للفهم وركّز على دور الافتراضات المسبقة والقبليات والخلفيّات الفكرية للمفسر في عملية الفهم.

بناء على رؤية غادامير أن كلّ فهم يبتنى على التصورات القبليّة والمسبقات الذهنية والخلفيّات الفكرية وهى تلعب دوراً مهمّاً في عملية الفهم. ويعتقد غادامير بأن معنى النص لا يظهر بشكل مستقل وغير متأثّر من الأفق الذهنى للمفسر. في الحقيقية لا يتحقق معنى النص بدون أن يصطبغ بصبغة المسبقات الذهنية للمفسر وقبليّاته الفكرية وخلفيّاته المعرفية. وإذا أراد المفسر أن يستفسر النص ويستنطقه ويعرض عليه الأسئلة لا بد أن يعتمد على افتراضاته المسبقة. هذه المسبقات والقبليّات والخلفيّات الذهنية تُشكّل الأفق الذهنى للمفسر. والمراد من "الأفق الذهنى" (horizon) أو "الموقع الهرمنوطيقى" (hermeneutical situation)  عند غادامير هو زاوية الرؤية والمنظور الخاص الذى يحدّد رؤية المفسر في إطار خاص وهو إطار القبليات الذهنية والافتراضات المسبقة في ذهن المفسر.

ينبغى هنا أن نشير إلى نقطة مهمة وهى: كما أن الأفق الذهنى للمفسر يلعب دوراً مفصلياً في عملية الفهم، كذلك توقعات المفسر وحاجاته ومتطلّباته ونزعاته وأغراضه من الأشياء والأمور تلعب دوراً مهما في تكوين معنى النص. بمعنى أن المفسر يستنطق النص ويفهمه في ضوء توقعاته ومتطلّباته وأغراضه. وهذه الأغراض والحاجات هى التى تمنح المعنى للنص، والنص قبل هذه التوقعات والحاجات فارغة من المعنى والمضمون؛ فالألفاظ جائعة بالنسبة إلى المعانى لا أنها شبعانة منها.

يقول بعض الحداثويين المتأثرين بالآراء الهرمنوطيقية لغادامير حول فهم الشريعة والدين :

" إن فهم المعنى حصيلة نوع من التركيب، التركيب الداخلى والتركيب الخارجى، بمعنى تركيب ما حدث في تاريخ الشريعة (التركيب الخارجى) وتركيب ما هو داخل نصوص المعارف (التركيب الداخلى). إن الشريعة صامتة، متى تنطق؟ إذا كانت ضيفاً في ذهن المفكر وقارئ النص وتكون جالسة مع سائر الضيوف والأفكار الموجودة في ذهنه، يعنى إذا كانت مزيجا وخليطا مع سائر المعتقدات والأفكار المسبقة في ذهن المفكر. وفي ضوء هذه المصاحبة والمجالسة بين الشريعة الصامتة والافتراضات المسبقة وقبليّات المفسر يتحقق المراد والمقصود من اللفظ. فيتولد طفل المعنى إثر تناكح الآباء (الشريعة الصامتة) والأمهات (المسبقات الذهنية). وبعبارة أخرى يواجه المفكر النص والكلام ففهمه من النص نتاج التعامل والتعاون مع المسبقات الذهنية والمعارف الجديدة والحديثة له. كما أن الفيلسوف يجتنى ثمرة خاصة من اللفظ والكلام وفي نفس الوقت الأديب والفقيه يجتنيان منه ثمرة أخرى وكلٌ يصوّب ولا يقصّر في فهم النص والكلام. فهناك ثلاث قوابل وقفتْ أمام فاعل واحد. وهناك نورٌ واحد يشرق على ثلاث موادّ.

د)- يركّز غادامير على عنصر "التطبيق" (Application) في عملية الفهم، ومراده من التطبيق هو: أن المفسّر بالإضافة إلى النزعات والقبليّات والافتراضات المسبقة التي يمتلكها، لديه توقّعات ومتطلّبات تسائلات عند مواجهة النص، فيريد الإجابة عليها وتلبية مطالبها وتوقعاتها العصرية من خلال تفسير النص وفهمه، فيحاول أن يفسّر النص بحيث يلبّى هذه المطالب ويفيدها في الوقت الراهن. بعبارة أخرى أن النصّ قد تكوَّن في ظروف تاريخية خاصة ولا يقصد المفسّر أن يتعرّف على تلك الظروف التاريخية لكشف نوايا مؤلّف النص، بل يريد المفسّر أن يفهم النص وفق مقتضياته ومتطلّباته وظروفه التى يعيشها، فليس هدف المفسّر هو كشف نوايا المؤلّف وإعادة البنية الذهنية له أو نقل تجاربه إلى الوقت الراهن، بل الفهم عند المفسّر من سنخ الإنتاج والإبداع، فلذا يحاول المفسّر أن يفهم النص وفق توقّعاته واحتياجاته الموجودة في الوقت الراهن، وهذا الأمر يربط النص المتكوّن في الماضي إلى الزمان الحاضر والراهن.

بناء على دور عنصر التطبيق في عملية الفهم، أن المفسّر يبحث عن إجابات جديدة من خلال عرض تسائلات جديدة على النص، ولا يريد نقل التجارب القديمة عن طريق فهم النص. الاهتمام بمفهوم "التطبيق" في نظرية التاويلية لغادامير يستلزم ثلاثة أمور مهمّة ألا وهى:

1)- بما أن كلّ مفسّر يتمتّع بتوقّعات ومتطلّبات وتسائلات خاصة، فتتعدّد الأفهام والتفاسير بتعدّد المفسّرين والقارئين للنصّ، فليس هناك فهمٌ نهائيّ ثابت في عملية الفهم.

 2)- استقلالية المعنى وانفصاله عن قصد المؤلّف ونواياه.

 3)- امتزاج  المعنى بذهنية المفسّر وتوقّعاته ومتطلّباته.

ذ)- يعتقد هايدغر أنّ مسألة "التاريخية" تلعب دوراً مهماً في محورية الهرمنوطيقا في العلوم الإنسانية. فهو يعتقد بتاريخية الإنسان وتاريخية فهمه؛ بناء على ذلك أنّ كل نصّ يتكوّن في بيئة تاريخية وأن الظروف الثقافية والاجتماعية والتاريخية تؤثر على هويّة الأشياء والأمور بحيث أنها وليدة ظروفها التاريخية. من جهة أخرى الشخص الذى يعيش خارج هذه البيئة التاريخية أو الذى يأتى بعد فترة زمنية ويريد أن يفهم تلك النصوص المحفوفة بالظروف التاريخية كيف يمكن له أن يفهمها؟.

كان يجيب شلاير ماخر على هذا السؤال بأنّه: يمكن لنا أن نكتشف نوايا المؤلف من خلال إعادة الصياغة الذهنية والبنية الفكرية التى كان يعيشها المؤلف. ولكن يعتقد غادامر بأنّ إعادة البنية الذهنية للمؤلف أمرٌ غير ممكن بل هو أمرٌ مهمل؛ لأنّ الإنسان موجود تاريخىّ وفهمه أيضاً تاريخىّ، من جهة أخرى لا يتيسر لنا نيل تلك الظروف التاريخية وإدراكها بصورة واضحة وشفافة، فلا يمكن إعادة النسق الفكرى والذهنى للمؤلف. بل الحلّ الوحيد من منظور غادامر هو تدخّل القبليات الذهنية للمفسر وإعادة قرائة النص وفق الظروف المعاصرة. ففهم الأمور التاريخية لا يتحقق إلا من خلال امتزاج الماضي والحال. بعبارة أخرى

أن الفهم من وجهة نظر غادامير واقعة تاريخية ( historical) ومتأثّر بالتراث (tradition)، بمعنى أن الأفق الذهنى والمعرفىّ للمفسر يتشكّل في بيئة تاريخية زمكانية حاضنة له، فهو متأطّر بأُطر عصر المفسّر ومحدود بحدود الظروف السائدة في عصره. فالفهم المنتَج من هذه البيئة التاريخية الحاضنة له، فهمٌ تاريخىٌّ محدّدٌ بحدود عصر المفسر وثقافته الخاصة به، بحيث لا يمكن للمفسر أن يتخلّص من هذا التراث والتاريخية ويفرغ منها. يعتقد غادامير أن هذا الأفق الذهنى للمفسر يتحوّل ويتبدل دائماً طيلة حياته وليس ثابتاً ومطلقاً.

ر)- يرى غادامير أنّ "اللغة" ليست علامة وآلة لنقل المفاهيم والأفكار إلى الآخرين، وليست اللغة آلة ووسيلة للتفكر، بل هناك علاقة وثيقة بين اللغة والتفكر، بحيث يمكن أن نقول أن التجربة والتفكر والفهم هى نفس اللغة وهى نفس التفكر. بمعنى : أن الكلمة ليست موضوعة للمعنى من قبل البشر بل الكلمة مفحمة بالمعنى قبل كل شيء. ليست الكلمة تعكس المعنى والمدلول من ذهن الإنسان إلى الواقع بل بالعكس الكلمة تعكس الواقع التاريخى للشيء ووجوده إلى ذهن الإنسان. إذن اللغة هى التى توصل الإنسان إلى الفهم."

الجدير بالذكر أن هناك بعض الاتجاهات الحداثية متأثّرةٌ بآراء ونظريات غادامير في مجال هرمنوطيقيا وتحاول أن تفهم النصوص الدينية كالقرآن الكريم والسنة الشريفة وفق تلك مباني غادامير، يقول أحد الحداثيين في هذا المجال:

" أنّ فهمنا للمتون والنصوص الدينية متنوّع ومتعدّد بالضرورة، وهذان التنوّع والتعدّد لا يقبلان الاختزال إلى فهم واحد، وليس هذا الفهم متنوّعاً ومتعدّداً فحسب بل سيّالاً أيضاً، والسرُّ في ذلك أنّ النصّ صامتٌ ونحن نسعى باستمرار لفهم النصوص الدينية وتفسيرها سواءً في الفقه أو الحديث أو القرآن الكريم من خلال الاستعانة بمسبوقاتنا الفكرية وتوقّعاتنا من النصّ والأسئلة التى تدور في أذهاننا في مرحلة سابقة، وبما أنّه لا يوجد تفسير من دون الاعتماد على التوقعات والأسئلة والفروضات المسبقة، وبما أنّ هذه التوقعات والفروضات المسبقة مستوحاة من خارج الدين، وبما أنّ الفضاء المعرفىّ خارج الدين متغيّرٌ وسيّال، كما أنّ العلوم البشرية والفلسفة ومعطيات الحضارة الإنسانية تزداد وتتراكم وتتغير باستمرار، فلهذا كله كانت التفاسير المترتبة على هذه الأسئلة والتوقعات والفروضات المسبقة متنوّعة ومتغيّرة".

سنقوم بنقد نظرية "هرمنوطيقا الفلسفية" بالتفصيل في المباحث القادمة، وبالتبع ستخضع نظرية بعض الحداثيين للنقد والتقييم أيضاً.

3- السمات والميزات العامة للهرمنوطيقا الفلسفى

يمكن أن نشير إلى بعض السمات والميزات العامة للتيار الهرمنوطيقى الفلسفى :

1-أن التجربة الهرمنوطيقية تجربة تاريخية ذاتاً، بمعنى أن فاهم النص ومفسّره يجب أن يعتمد على قبلياته الذهنية وافتراضاته المسبقة والظروف الثقافية والاجتماعية التى يعيشها.

 2- التجربة الهرمنوطيقية تجربة لغوية ذاتاً، بمعنى التركيز على دور اللغة لا كوسيلة وأداة لكشف الواقع، بل اللغة هى التى تولّد الواقع وتنتجه.

3-تجربة آنطلوجية وجودية تكشف عن الأبعاد الوجودية لمفسر المتن، وليس  بمعنى اكتشاف الموضوع العينى في مقابل المدرِك والفاهم.

4- التجربة الهرمنوطيقية تجربة جدليّة؛ بمعنى أنّ المفسّر ليس مستسلماً محضاً أمام النص، بحيث يبحث المفسر عن نوايا المتكلم والمؤلف، بل المفسر والنص يتساهمان ويتشاركان في إنتاج معنى جديد.

5-تجربة عصرية وفق مقتضيات زمان الحال والظروف الراهنة التى يعيشها المفسر؛ فالتجربة الهرمنوطيقية تجربة ديناميكية متغيرة غير ثابتة ولا راكدة..

4- اللوازم والنتائج المترتبة على نظرية غادامير

تترتّب على نظرية الهرمنوطيقا الفلسفية نتائج وتداعيات معرفيّة مهمّة نستعرض شطراً منها في هذا المجال :

1- بناء على الهرمنوطيقا الفلسفية ليس هناك فهم عينىٌّ مطابق للواقع بل جميع الأفهام مصبوغ بصبغة التاريخية والأفق الذهنى للمفسر، لذا يقول غادامير : " المراد من "الموقف الهرمنوطيقي" هو عدم امكانية الوقوف خلف هذا الموقف والمنطلق فلذا لا نقدر على الفهم العينى، فنحن نرى أنفسنا دائماً في موقف هرمنوطيقى خاص وجديد لا يمكن التخلّص منه."

بعبارة أخرى: أن "الفهم" حصيلة امتزاج الأفق الذهنى للمفسر والأفق المعرفى للنص، من جهة أخرى أن الأفق الذهنى للمفسر وليد الافتراضات المسبقة وقبليّات المفسّر وخلفيّاته الفكرية، وهذه المسبقات والقبليات والخلفيّات الذهنية وكذلك النزعات والرغبات والتوقعات المركوزة في نفس المفسر نابعة وناجمة من التاريخ والسنّة والثقافة والبيئة الحاضنة للمولّف.

فالفهم منتَجٌ تاريخىٌّ وثقافىٌّ يتبدّل بتبدّل الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية بحيث تساهم افتراضات المفسر في تكوين فهم النص مساهمة بليغة. فليس هناك فهم خالص وبريء من الشوائب الذهنية والافتراضية والتاريخية من النصّ، وليس الغرض الأصلى من الفهم هو كشف نوايا المؤلّف ومقاصده. بل المركزية والمحورية في عملية الفهم للمفسر مع ما له من الآفاق الذهنية.

2- من اللوازم المترتبة على نظرية غادامير أو "أصالة المفسّر" هى أن الفهم البشرى للنص في طور تحول وتجدد وتبدل دائم ومستمر، فليس هناك فهمٌ ثابتٌ ومطلقٌ للنص. والسرّ في ذلك أن الفهم يعتمد على الافتراضات المسبقة والخلفيات الفكرية  والقبليّات والنزعات والرغبات الفردية والاجتماعية، والتوقعات، فيتحوّل الفهم بتحوّل هذه المسبقات ويتبدّل بتبدّلها إذْ أن هذه المسبقات والقبليات والافتراضات تتغير وتتبدل دائماً طيلة حياة الإنسان، فالذى يبتنى عليها يتحوّل بتبعها.

4- لا يتوقف معنى النص ومدلوله عند فهم نهائى أخير، بل يمكن استخراج معانى ومداليل غير متناهية من النصّ حسب تكثّر الآفاق الفكرية والمعرفية والافتراضات المسبقة للمفسّر. فليس هناك فهم أخير ونهائىّ للنص، بل يتعدّد معنى النص بتعدّد المفسّرين له. فلكل مفسّر وقارئ لنصّ واحد، فهمٌ خاصٌّ يمتاز عن فهم مفسّر آخر له. والسرّ في ذلك أنّ الشخص الذى يريد أن يفهم النص، فيجب عليه أن يسائل النصَّ ممّا وراء مدلوله الظاهرى وحسب أفقه الذهنى، فيعدّ النص إجابة للسؤال الذى طرحه المفسّر حسب أفقه الذهنى وقبلياته الذهنية وهذا السؤال منبثق من أفق ذهنى خاص، فبحسب تعدد الآفاق الذهنية هناك تسائلات متعددة وبالتبع هناك إجابات متعددة من قِبل النص.

5- ليس هناك معيار وميزان وضابطة ثابتة لتمييز الفهم الصحيح من الفهم الخاطئ في وجهة نظر غادامير. بل كلّ فهم لأىّ نصّ هو صحيح وصائب لأنه ينبثق من الأفق المعرفى للمفسرين.

6- بناء على نظرية غادامير ليس هناك فهم غير مسبوق بالافتراضات والتساؤلات من قِبل المفسر، بل كلّ فهم وتفسير يحدث في العالم يتوقف على هذه المسبقات والتساؤلات، حتى فهم الإنسان للبديهيّات وأبده البديهيّات أعنى قضية "امتناع اجتماع النتقيضين وارتفاعهما "، يتوقف أيضاً على القبليّات والافتراضات المسبقة. وهذا ما يعتقده هايدغر من أن عملية التفسير تبتنى على المعطيات المسبقة، والرؤي القبلية، فلا يمكن تفسير المتن من دون الإفتراضات المسبقة.

7- بناء على نظرية الهرمنوطيقا الفلسفي ليس النص أمراً منفعلاً متأثّراً صامتاً قابلا للفهم فحسب، بل النصّ ينشط ويثير الأسئلة ويستفسر المفسّرَ في عملية الفهم، فالنص أحد اللاعبين في هذا الملعب بجنب سائر اللاعبين.

فليس الفهم عملية ممنهجة ثابتة يطبّقها المفسّر على النص ويستكشف من خلالها مقاصد المؤلف؛ بل الفهم وليد جدلية النص والأفق الذهنى للمفسّر؛ بحيث أنّ النص له دورٌ فعال ومؤثر في تكوّن الفهم. بعبارة اخرى ليس زمام الفهم بيد المفسر والفاهم للنص فحسب، بل النصّ له دور ونشاط وتأثير في تكوين الفهم، فالفهم وليد التحاور والتعامل بين المفسر والنص، وهذا معنى كلام غادامر من أنّ "الفهم واقعة وحادثة" ((event. 

8- تستلزم نظرية غادامير التورّط في مخمصة النسبيّة والشكّاكية وتفريغ اللّفظ عن معناه الحقيقي، بحيث لا رجحان ولا فضل لفهم على فهم آخر بل كلّ فهم وتفسير من النص صائبٌ وصادقٌ وصحيحٌ وهذه هو النسبية (Relativism). وبعبارة أخرى: هذه النظریة لا یهمّها صدقُ الفهم وکذُبه؛ ولا یعتني بالفهم الصحیح من النص والفهم الخاطئ منه، وهذا يعني ليس هناك معيار ثابت لتمييز الفهم الصحيح من الفهم السقيم والخاطئ. وهذا يؤدّي إلى الفوضى في عمليّة التفسير، وأيضاً يستلزم النسبيّة والتعدّدية في الفهم، وبالتبع تستلزم النسبيّة والتعدّدية التناقضَ، إذ  یمکن لكلّ شخص أن يفهم من نصّ واحد ما يناقض فهم الآخر، وحسب هذا الرّأي كلا الفهمين صحيح وصائب، وليس هذا الا اجتماع النقيضين.

9-إن الفهم والتفسير رهين الآفاق المعرفية والفكرية للمفسر، وبما أن الآفاق المعرفية رهين التاريخ والسنّة التى يعيشها المفسر ويتأثر منها فالنتيجة أن الفهم أمرٌ تاريخىّ. (تاريخية الفهم والتفسير)

هذه اللوازم والتداعيات المترتبة على نظرية الهرمنوطيقا الفلسفى تساعدنا على تقييم هذه النظرية ونقدها البنّاء في ما يأتى. وسنستفيد من هذه اللوازم والنتائج في نقد هذه النظرية وتقييمها في قسم "الدراسة النقدية".

 



- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p. XXiX.

- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, pp. 193,395  

-Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p. 268-269

- غادامير، الحقيقة والمنهج، ص 491

-   Richard E. Palmer, Hermeneutics, pp. 198-199

- التأويل والهرمنوطيقا، مجموعة من المؤلفين، ص 63

- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p. 388

- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p. 397

-Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p. 277

- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p. 490

- نظريه تفسير متن، احمد واعظى، ص 163

- Richard E. Palmer, Hermeneutics, p. 198

- Martin, Heidegger, Being and Time, p.191

- نظريه تفسير متن، احمد واعظى، ص 157 و158

- عبد الكريم سروش، قبض و بسط تئوريك شريعت، ص 181

- أنظر إلى: Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, pp. 308-309-326

-166-169    Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p

- Richard E. Palmer, Hermeneutics, p. 203

- عبد الكريم سروش، الصراطات المستقيمة، ص 16 و17

- Richard E. Palmer, Hermeneutics, pp.242-251  

- نظرية تفسير متن، احمد واعظى، ص 160

- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method,p. 370

- Martin, Heidegger, Being and Time, p.191

- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p 465

 

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA

 

                                           

در این جلسه دیدگاه هانس جورج گادامر در باب هرمنوتیک مورد تحلیل قرار گرفت و لوازم و پیامدهای خطیر آن برجسته گردید. در جلسه آینده به حول و قوه الهی  نظریه هرمنوتیکی گادامر مورد نقد و ارزیابی قرار خواهد گرفت.

 باسم الله الرحمن الرحيم

1- تركت آراء ونظريات مارتين هايدغر أثرا بالغا على المفكر الألماني هانس جورج غادامير الذي عاش في القرن العشرين حيث بذل جهوداً حثيثة من أجل تبيين وتأصيل الهرمنوطيقا الفلسفية.

الهرمنوطيقا طبق غادامير ذات طابع وجودى (آنطولوجى)؛ بمعنى أن الغرض الرئيسي من الفهم هو التأمّل في ماهية "الفهم" وكيفيّة تحقّقه وتكوّنه، وليس الغرض منه هو اقتراح منهجية خاصة للفهم.

 في المقابل كان الطابع الغالب على الهرمنوطيقا الرومانطيقية التي ركز عليها شلاير ماخر هو اقتراح منهج قويم للفهم الصحيح من النص وتجنّب سوء الفهم.

2- يمكن تلخيص نظرية غادامير حول حقيقة الفهم في ضمن النقاط التالية :

الف)- بناء على الاتجاه الرومانطيقى والكلاسيكى للفهم فأن المفسر يبذل قصارى جهده، فيستخدم القواعد الأدبية واللغوية والقرائن الحالية والمقامية وحتى الخصائص النفسية للمؤلف لكشف مراد المؤلّف ونواياه، فالمبادرة هنا بيد المؤلّف وهو الذى يأخذ بزمام التفسير والفهم ويديره حسب القواعد والضوابط الممهدة للفهم الصحيح. لكن غادامير في قبال هذا الرأى يعتقد بأن "الفهم" واقعة وحادثة (event)  يفاجئها المفسر ويواجهها ويرى نفسَه ملقاة ومرميّاً فيها من دون اختيار وتمهيد مسبَق، فليس زمام الفهم والتفسير بيد المؤلّف بل هو أحد اللاعبين في مضمار الفهم وليس هو الناشط الوحيد الذى يستخرج المعنى من اللفظ، فالفهم هو الّلعب الذي يلعب فيه اللاعبون المتعدّدون والمؤلف من جملتهم. وبعبارة أخرى هناك عوامل متعددة تلعب الدور في إنتاج المعنى وتوليده، والمؤلف أحد هذه العوامل، إلى جانب عوامل أخرى مؤثرة في إيجاد المعنى.

ب)- يعتقد غادامير بأن الفهم حصيلة حوار وتعامل وإثارة للتسائلات بين المفسر والنص. هذا الحوار الذي يجري بين المفسر والنص يتمثل في الأخذ والرد الذي يكون بينهما، عن طريق الأسئلة والأجوبة المتبادلة بينهما، وهذا هو المراد من الجدليّة بين النص والمفسر. وبعبارة أخرى ليس المفسر هو الوحيد الذي يسأل النص ويحاوره ويستنطقه في ضوء قبليّاته الذهنية وافتراضاته المسبقة، بل النص أيضاً يسأل المفسرَ ويفتح آفاقاً جديدة لذهنه. لذا يقول غادامير :

" إنّ الظاهرة التأويلية تدل ضمناً أيضاً على أولوية الحوار، وعلى بنية السؤال والجواب. فالنصّ التاريخى الذي يصير موضوعاً للتأويل يعنى أنه يطرح على المؤوِّل سؤالاً. لهذا يتضمن التأويل دائماً علاقة بالسؤال الذي طُرح على المؤوِّل. ويعمّى فهمُ النصّ فهمَ هذا السؤال. ولكن هذا يحدث من خلال إحرازنا أفقاً تأويليّاً. ونحن نميّز الآن هذا الأفق بأنه أفق السؤال الذى في داخله يتقرر معنى النصّ...ونحن نفهم معنى النصّ من خلال اكتساب أفق السؤال وحسب، أفق يتضمن إجابات أُخَر مكنة."

كذلك يقول ريجارد بالمر امتزاج الآفاق :

" إن المهمّة الرئيسيّة لعلم الهرمنوطيقا هي توفير الأرضية للتحاور والتسائل فيما بين النص والمفسر، بحيث يخاطب النصُّ المفسّرَ ويسائله مرة، ويخاطب المفسّرُ النصَّ ويسائله مرة أخرى. وهذا يستلزم أن يخرج النص من الغربة والثبات ويتحوّل إلى موجود حىٍّ ونشِط ومنفتح. علينا أن نسمح للنص حتى يكلّمنا، ليس المفسِّر كشيءٍ منفعل أمام النص بل المفسّر له تأثير ودور في عملية الفهم، إذن ذهن المفسر يجب أن يكون منفتحاً أمام النص ويسائل النص وهذا هو الجدلية بين المفسر والنص. جدلية السؤال والجواب بين المفسّر والنصّ يستلزم اتّصال الآفاق وامتزاجها. وهذا الامتزاج بين الأفق الذهنى للمفسر وبين النصّ يتحقق بواسطة اللغة."

 إذن يتولّد "الفهم" ويتشكّل من الامتزاج والاختلاط بين الأفق المعرفى والذهنى للمفسر والأفق المعرفى للنص وهذا هو المسمّى بـ"امتزاج الآفاق" ((fusion of horizons. وحسب تعبير غادامير:" إنّ عملية التفسير هى أشبه بالتلاقى أو الذوبان بين أفق المفسّر وأفق النصّ". فيتساهم في عملية الفهم المفسّرُ والنصُّ كليهما معاً.

 فهناك تناكح وتزاوج بين الأفق الذهنى للمفسر وبين أفق النص، فالفهم وليد التناكح والتزاوج بين الأفقين وهو مولود جديد متميّز. المراد من الأفق الذهنى هو أن الافتراضات المسبقة والقبليات الذهنية للمفسر تتسبّب في إيجاد منظر خاص ورؤية جديدة. هذا الأفق الذهنى هو بمثابة نظّارة ملوَّنة على عين كل إنسان بحيث يختلف لون زجاجة النظارة لدى كل فرد من أفراد المجتمع، فكلّ فرد يرى العالَم بنظارة خاصة ولون خاص، فبعض يرى الأشياء حمراء لأن لون زجاجة نظارته أحمر، وبعض يرى العالَم أخضراً حسب اللون الأخضر لنظارته وهكذا، فبحسب عدد أفراد المجتمع هناك نظارات متعددة ذات ألوان متفاوتة. كذلك هناك آفاق ذهنية متعددة ومتكثّرة بعدد أفراد البشر في العالم وكلٌّ يفسر ويقرء نصّاً واحداً في ضوء أُفقه الذهنى وزاويته الفكرية الخاصة.

الجدير بالذكر أن الأفق المعرفى والذهنى للمفسر وليد توقعاته ونزعاته وقبليّاته الذهنية وافتراضاته المسبقة، ومن جهة أخرى ؛ هذه القبليات والمسبقات المركوزة في ذهن المفسر نتاج التاريخ والسنّة (tradition)، المراد بالتاريخ والسنة هو التراث المتبقى من التفاسير والقرائات المحققّة حول ذلك النص، إذن المسبقات والقبليات الذهنية تتأثر من التفاسير التى أنجزت حول ذلك الأثر طوال التاريخ.

 يركز غادامير على أن الأفق الذهنى والمنظار المعرفى للمفسر يتحوّل ويتطوّر ويتبدّل دائماً طيلة حياة المفسر. فالفهم المنتَج من هذا الأفق المعرفىّ المتغير، يتطوّر ويتحوّل بتحوّل الأفق المعرفىّ. فليس لنص واحد فهماً ثابتاً نهائيّاً بل الفهم يتحوّل بتحوّل الافتراضات المسبقة للمفسر، فالفهم أمرٌ تاريخىٌّ سيّال. وهذا هو المقصود من "تاريخيّة الفهم" في منظور غادامير. فلذا أن للقبليّات والمعلومات المسبقة دوراً مهمّاَ في عملية الفهم؛ فلذا يصرّح غادامير بأن الافتراضات المسبقة والقبليّات شرط تحقق العلم، وأن الفهم ينطلق منها.

 يرى غادامير أن عملية الفهم هى البحث والفحص عن إجابة لتساؤلات المفسر وتوقّعاته ومتطلّباته، وهذه التساؤلات والأسئلة المعروضة على النص هي التي تُحدّد أبعاد الفهم وإطاره المعيّن. متى يتكلّم النص معَنا؟ حين تُعرض عليه التساؤلات والأسئلة العصرية التي تهمّ المفسرَ وتختلج في باله. من ناحية أخرى هذه التساؤلات والتوقعات تنبثق من الموقع الهرمنوطيقي والأفق الذهني للمفسر.

وبعبارة أخرى: عندما يواجه المؤوِّلُ النصَّ يختلج سؤال في باله فيحاول أن يجيب عليه عن طريق تأويل النصّ، فليست عملية فهم النص إلا الإجابة على هذا السؤال الذى تمّ عرضه على النصّ."

ج)- قد ذكرنا أن هايدغر يعتقد بأن البنية المسبقة للوجود الإنسانى لها ثلاث مستويات: 1-" الممتلكات المسبَقة"(fore having) 3-" الرؤية المسبَقة" sight) (fore 3-" التصورات المسبَقة"conception)  (fore. فقد تأثر غادامير بهذه المستويات والمراحل المسبقة للفهم وركّز على دور الافتراضات المسبقة والقبليات والخلفيّات الفكرية للمفسر في عملية الفهم.

بناء على رؤية غادامير أن كلّ فهم يبتنى على التصورات القبليّة والمسبقات الذهنية والخلفيّات الفكرية وهى تلعب دوراً مهمّاً في عملية الفهم. ويعتقد غادامير بأن معنى النص لا يظهر بشكل مستقل وغير متأثّر من الأفق الذهنى للمفسر. في الحقيقية لا يتحقق معنى النص بدون أن يصطبغ بصبغة المسبقات الذهنية للمفسر وقبليّاته الفكرية وخلفيّاته المعرفية. وإذا أراد المفسر أن يستفسر النص ويستنطقه ويعرض عليه الأسئلة لا بد أن يعتمد على افتراضاته المسبقة. هذه المسبقات والقبليّات والخلفيّات الذهنية تُشكّل الأفق الذهنى للمفسر. والمراد من "الأفق الذهنى" (horizon) أو "الموقع الهرمنوطيقى" (hermeneutical situation)  عند غادامير هو زاوية الرؤية والمنظور الخاص الذى يحدّد رؤية المفسر في إطار خاص وهو إطار القبليات الذهنية والافتراضات المسبقة في ذهن المفسر.

ينبغى هنا أن نشير إلى نقطة مهمة وهى: كما أن الأفق الذهنى للمفسر يلعب دوراً مفصلياً في عملية الفهم، كذلك توقعات المفسر وحاجاته ومتطلّباته ونزعاته وأغراضه من الأشياء والأمور تلعب دوراً مهما في تكوين معنى النص. بمعنى أن المفسر يستنطق النص ويفهمه في ضوء توقعاته ومتطلّباته وأغراضه. وهذه الأغراض والحاجات هى التى تمنح المعنى للنص، والنص قبل هذه التوقعات والحاجات فارغة من المعنى والمضمون؛ فالألفاظ جائعة بالنسبة إلى المعانى لا أنها شبعانة منها.

يقول بعض الحداثويين المتأثرين بالآراء الهرمنوطيقية لغادامير حول فهم الشريعة والدين :

" إن فهم المعنى حصيلة نوع من التركيب، التركيب الداخلى والتركيب الخارجى، بمعنى تركيب ما حدث في تاريخ الشريعة (التركيب الخارجى) وتركيب ما هو داخل نصوص المعارف (التركيب الداخلى). إن الشريعة صامتة، متى تنطق؟ إذا كانت ضيفاً في ذهن المفكر وقارئ النص وتكون جالسة مع سائر الضيوف والأفكار الموجودة في ذهنه، يعنى إذا كانت مزيجا وخليطا مع سائر المعتقدات والأفكار المسبقة في ذهن المفكر. وفي ضوء هذه المصاحبة والمجالسة بين الشريعة الصامتة والافتراضات المسبقة وقبليّات المفسر يتحقق المراد والمقصود من اللفظ. فيتولد طفل المعنى إثر تناكح الآباء (الشريعة الصامتة) والأمهات (المسبقات الذهنية). وبعبارة أخرى يواجه المفكر النص والكلام ففهمه من النص نتاج التعامل والتعاون مع المسبقات الذهنية والمعارف الجديدة والحديثة له. كما أن الفيلسوف يجتنى ثمرة خاصة من اللفظ والكلام وفي نفس الوقت الأديب والفقيه يجتنيان منه ثمرة أخرى وكلٌ يصوّب ولا يقصّر في فهم النص والكلام. فهناك ثلاث قوابل وقفتْ أمام فاعل واحد. وهناك نورٌ واحد يشرق على ثلاث موادّ.

د)- يركّز غادامير على عنصر "التطبيق" (Application) في عملية الفهم، ومراده من التطبيق هو: أن المفسّر بالإضافة إلى النزعات والقبليّات والافتراضات المسبقة التي يمتلكها، لديه توقّعات ومتطلّبات تسائلات عند مواجهة النص، فيريد الإجابة عليها وتلبية مطالبها وتوقعاتها العصرية من خلال تفسير النص وفهمه، فيحاول أن يفسّر النص بحيث يلبّى هذه المطالب ويفيدها في الوقت الراهن. بعبارة أخرى أن النصّ قد تكوَّن في ظروف تاريخية خاصة ولا يقصد المفسّر أن يتعرّف على تلك الظروف التاريخية لكشف نوايا مؤلّف النص، بل يريد المفسّر أن يفهم النص وفق مقتضياته ومتطلّباته وظروفه التى يعيشها، فليس هدف المفسّر هو كشف نوايا المؤلّف وإعادة البنية الذهنية له أو نقل تجاربه إلى الوقت الراهن، بل الفهم عند المفسّر من سنخ الإنتاج والإبداع، فلذا يحاول المفسّر أن يفهم النص وفق توقّعاته واحتياجاته الموجودة في الوقت الراهن، وهذا الأمر يربط النص المتكوّن في الماضي إلى الزمان الحاضر والراهن.

بناء على دور عنصر التطبيق في عملية الفهم، أن المفسّر يبحث عن إجابات جديدة من خلال عرض تسائلات جديدة على النص، ولا يريد نقل التجارب القديمة عن طريق فهم النص. الاهتمام بمفهوم "التطبيق" في نظرية التاويلية لغادامير يستلزم ثلاثة أمور مهمّة ألا وهى:

1)- بما أن كلّ مفسّر يتمتّع بتوقّعات ومتطلّبات وتسائلات خاصة، فتتعدّد الأفهام والتفاسير بتعدّد المفسّرين والقارئين للنصّ، فليس هناك فهمٌ نهائيّ ثابت في عملية الفهم.

 2)- استقلالية المعنى وانفصاله عن قصد المؤلّف ونواياه.

 3)- امتزاج  المعنى بذهنية المفسّر وتوقّعاته ومتطلّباته.

ذ)- يعتقد هايدغر أنّ مسألة "التاريخية" تلعب دوراً مهماً في محورية الهرمنوطيقا في العلوم الإنسانية. فهو يعتقد بتاريخية الإنسان وتاريخية فهمه؛ بناء على ذلك أنّ كل نصّ يتكوّن في بيئة تاريخية وأن الظروف الثقافية والاجتماعية والتاريخية تؤثر على هويّة الأشياء والأمور بحيث أنها وليدة ظروفها التاريخية. من جهة أخرى الشخص الذى يعيش خارج هذه البيئة التاريخية أو الذى يأتى بعد فترة زمنية ويريد أن يفهم تلك النصوص المحفوفة بالظروف التاريخية كيف يمكن له أن يفهمها؟.

كان يجيب شلاير ماخر على هذا السؤال بأنّه: يمكن لنا أن نكتشف نوايا المؤلف من خلال إعادة الصياغة الذهنية والبنية الفكرية التى كان يعيشها المؤلف. ولكن يعتقد غادامر بأنّ إعادة البنية الذهنية للمؤلف أمرٌ غير ممكن بل هو أمرٌ مهمل؛ لأنّ الإنسان موجود تاريخىّ وفهمه أيضاً تاريخىّ، من جهة أخرى لا يتيسر لنا نيل تلك الظروف التاريخية وإدراكها بصورة واضحة وشفافة، فلا يمكن إعادة النسق الفكرى والذهنى للمؤلف. بل الحلّ الوحيد من منظور غادامر هو تدخّل القبليات الذهنية للمفسر وإعادة قرائة النص وفق الظروف المعاصرة. ففهم الأمور التاريخية لا يتحقق إلا من خلال امتزاج الماضي والحال. بعبارة أخرى

أن الفهم من وجهة نظر غادامير واقعة تاريخية ( historical) ومتأثّر بالتراث (tradition)، بمعنى أن الأفق الذهنى والمعرفىّ للمفسر يتشكّل في بيئة تاريخية زمكانية حاضنة له، فهو متأطّر بأُطر عصر المفسّر ومحدود بحدود الظروف السائدة في عصره. فالفهم المنتَج من هذه البيئة التاريخية الحاضنة له، فهمٌ تاريخىٌّ محدّدٌ بحدود عصر المفسر وثقافته الخاصة به، بحيث لا يمكن للمفسر أن يتخلّص من هذا التراث والتاريخية ويفرغ منها. يعتقد غادامير أن هذا الأفق الذهنى للمفسر يتحوّل ويتبدل دائماً طيلة حياته وليس ثابتاً ومطلقاً.

ر)- يرى غادامير أنّ "اللغة" ليست علامة وآلة لنقل المفاهيم والأفكار إلى الآخرين، وليست اللغة آلة ووسيلة للتفكر، بل هناك علاقة وثيقة بين اللغة والتفكر، بحيث يمكن أن نقول أن التجربة والتفكر والفهم هى نفس اللغة وهى نفس التفكر. بمعنى : أن الكلمة ليست موضوعة للمعنى من قبل البشر بل الكلمة مفحمة بالمعنى قبل كل شيء. ليست الكلمة تعكس المعنى والمدلول من ذهن الإنسان إلى الواقع بل بالعكس الكلمة تعكس الواقع التاريخى للشيء ووجوده إلى ذهن الإنسان. إذن اللغة هى التى توصل الإنسان إلى الفهم."

الجدير بالذكر أن هناك بعض الاتجاهات الحداثية متأثّرةٌ بآراء ونظريات غادامير في مجال هرمنوطيقيا وتحاول أن تفهم النصوص الدينية كالقرآن الكريم والسنة الشريفة وفق تلك مباني غادامير، يقول أحد الحداثيين في هذا المجال:

" أنّ فهمنا للمتون والنصوص الدينية متنوّع ومتعدّد بالضرورة، وهذان التنوّع والتعدّد لا يقبلان الاختزال إلى فهم واحد، وليس هذا الفهم متنوّعاً ومتعدّداً فحسب بل سيّالاً أيضاً، والسرُّ في ذلك أنّ النصّ صامتٌ ونحن نسعى باستمرار لفهم النصوص الدينية وتفسيرها سواءً في الفقه أو الحديث أو القرآن الكريم من خلال الاستعانة بمسبوقاتنا الفكرية وتوقّعاتنا من النصّ والأسئلة التى تدور في أذهاننا في مرحلة سابقة، وبما أنّه لا يوجد تفسير من دون الاعتماد على التوقعات والأسئلة والفروضات المسبقة، وبما أنّ هذه التوقعات والفروضات المسبقة مستوحاة من خارج الدين، وبما أنّ الفضاء المعرفىّ خارج الدين متغيّرٌ وسيّال، كما أنّ العلوم البشرية والفلسفة ومعطيات الحضارة الإنسانية تزداد وتتراكم وتتغير باستمرار، فلهذا كله كانت التفاسير المترتبة على هذه الأسئلة والتوقعات والفروضات المسبقة متنوّعة ومتغيّرة".

سنقوم بنقد نظرية "هرمنوطيقا الفلسفية" بالتفصيل في المباحث القادمة، وبالتبع ستخضع نظرية بعض الحداثيين للنقد والتقييم أيضاً.

3- السمات والميزات العامة للهرمنوطيقا الفلسفى

يمكن أن نشير إلى بعض السمات والميزات العامة للتيار الهرمنوطيقى الفلسفى :

1-أن التجربة الهرمنوطيقية تجربة تاريخية ذاتاً، بمعنى أن فاهم النص ومفسّره يجب أن يعتمد على قبلياته الذهنية وافتراضاته المسبقة والظروف الثقافية والاجتماعية التى يعيشها.

 2- التجربة الهرمنوطيقية تجربة لغوية ذاتاً، بمعنى التركيز على دور اللغة لا كوسيلة وأداة لكشف الواقع، بل اللغة هى التى تولّد الواقع وتنتجه.

3-تجربة آنطلوجية وجودية تكشف عن الأبعاد الوجودية لمفسر المتن، وليس  بمعنى اكتشاف الموضوع العينى في مقابل المدرِك والفاهم.

4- التجربة الهرمنوطيقية تجربة جدليّة؛ بمعنى أنّ المفسّر ليس مستسلماً محضاً أمام النص، بحيث يبحث المفسر عن نوايا المتكلم والمؤلف، بل المفسر والنص يتساهمان ويتشاركان في إنتاج معنى جديد.

5-تجربة عصرية وفق مقتضيات زمان الحال والظروف الراهنة التى يعيشها المفسر؛ فالتجربة الهرمنوطيقية تجربة ديناميكية متغيرة غير ثابتة ولا راكدة..

4- اللوازم والنتائج المترتبة على نظرية غادامير

تترتّب على نظرية الهرمنوطيقا الفلسفية نتائج وتداعيات معرفيّة مهمّة نستعرض شطراً منها في هذا المجال :

1- بناء على الهرمنوطيقا الفلسفية ليس هناك فهم عينىٌّ مطابق للواقع بل جميع الأفهام مصبوغ بصبغة التاريخية والأفق الذهنى للمفسر، لذا يقول غادامير : " المراد من "الموقف الهرمنوطيقي" هو عدم امكانية الوقوف خلف هذا الموقف والمنطلق فلذا لا نقدر على الفهم العينى، فنحن نرى أنفسنا دائماً في موقف هرمنوطيقى خاص وجديد لا يمكن التخلّص منه."

بعبارة أخرى: أن "الفهم" حصيلة امتزاج الأفق الذهنى للمفسر والأفق المعرفى للنص، من جهة أخرى أن الأفق الذهنى للمفسر وليد الافتراضات المسبقة وقبليّات المفسّر وخلفيّاته الفكرية، وهذه المسبقات والقبليات والخلفيّات الذهنية وكذلك النزعات والرغبات والتوقعات المركوزة في نفس المفسر نابعة وناجمة من التاريخ والسنّة والثقافة والبيئة الحاضنة للمولّف.

فالفهم منتَجٌ تاريخىٌّ وثقافىٌّ يتبدّل بتبدّل الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية بحيث تساهم افتراضات المفسر في تكوين فهم النص مساهمة بليغة. فليس هناك فهم خالص وبريء من الشوائب الذهنية والافتراضية والتاريخية من النصّ، وليس الغرض الأصلى من الفهم هو كشف نوايا المؤلّف ومقاصده. بل المركزية والمحورية في عملية الفهم للمفسر مع ما له من الآفاق الذهنية.

2- من اللوازم المترتبة على نظرية غادامير أو "أصالة المفسّر" هى أن الفهم البشرى للنص في طور تحول وتجدد وتبدل دائم ومستمر، فليس هناك فهمٌ ثابتٌ ومطلقٌ للنص. والسرّ في ذلك أن الفهم يعتمد على الافتراضات المسبقة والخلفيات الفكرية  والقبليّات والنزعات والرغبات الفردية والاجتماعية، والتوقعات، فيتحوّل الفهم بتحوّل هذه المسبقات ويتبدّل بتبدّلها إذْ أن هذه المسبقات والقبليات والافتراضات تتغير وتتبدل دائماً طيلة حياة الإنسان، فالذى يبتنى عليها يتحوّل بتبعها.

4- لا يتوقف معنى النص ومدلوله عند فهم نهائى أخير، بل يمكن استخراج معانى ومداليل غير متناهية من النصّ حسب تكثّر الآفاق الفكرية والمعرفية والافتراضات المسبقة للمفسّر. فليس هناك فهم أخير ونهائىّ للنص، بل يتعدّد معنى النص بتعدّد المفسّرين له. فلكل مفسّر وقارئ لنصّ واحد، فهمٌ خاصٌّ يمتاز عن فهم مفسّر آخر له. والسرّ في ذلك أنّ الشخص الذى يريد أن يفهم النص، فيجب عليه أن يسائل النصَّ ممّا وراء مدلوله الظاهرى وحسب أفقه الذهنى، فيعدّ النص إجابة للسؤال الذى طرحه المفسّر حسب أفقه الذهنى وقبلياته الذهنية وهذا السؤال منبثق من أفق ذهنى خاص، فبحسب تعدد الآفاق الذهنية هناك تسائلات متعددة وبالتبع هناك إجابات متعددة من قِبل النص.

5- ليس هناك معيار وميزان وضابطة ثابتة لتمييز الفهم الصحيح من الفهم الخاطئ في وجهة نظر غادامير. بل كلّ فهم لأىّ نصّ هو صحيح وصائب لأنه ينبثق من الأفق المعرفى للمفسرين.

6- بناء على نظرية غادامير ليس هناك فهم غير مسبوق بالافتراضات والتساؤلات من قِبل المفسر، بل كلّ فهم وتفسير يحدث في العالم يتوقف على هذه المسبقات والتساؤلات، حتى فهم الإنسان للبديهيّات وأبده البديهيّات أعنى قضية "امتناع اجتماع النتقيضين وارتفاعهما "، يتوقف أيضاً على القبليّات والافتراضات المسبقة. وهذا ما يعتقده هايدغر من أن عملية التفسير تبتنى على المعطيات المسبقة، والرؤي القبلية، فلا يمكن تفسير المتن من دون الإفتراضات المسبقة.

7- بناء على نظرية الهرمنوطيقا الفلسفي ليس النص أمراً منفعلاً متأثّراً صامتاً قابلا للفهم فحسب، بل النصّ ينشط ويثير الأسئلة ويستفسر المفسّرَ في عملية الفهم، فالنص أحد اللاعبين في هذا الملعب بجنب سائر اللاعبين.

فليس الفهم عملية ممنهجة ثابتة يطبّقها المفسّر على النص ويستكشف من خلالها مقاصد المؤلف؛ بل الفهم وليد جدلية النص والأفق الذهنى للمفسّر؛ بحيث أنّ النص له دورٌ فعال ومؤثر في تكوّن الفهم. بعبارة اخرى ليس زمام الفهم بيد المفسر والفاهم للنص فحسب، بل النصّ له دور ونشاط وتأثير في تكوين الفهم، فالفهم وليد التحاور والتعامل بين المفسر والنص، وهذا معنى كلام غادامر من أنّ "الفهم واقعة وحادثة" ((event. 

8- تستلزم نظرية غادامير التورّط في مخمصة النسبيّة والشكّاكية وتفريغ اللّفظ عن معناه الحقيقي، بحيث لا رجحان ولا فضل لفهم على فهم آخر بل كلّ فهم وتفسير من النص صائبٌ وصادقٌ وصحيحٌ وهذه هو النسبية (Relativism). وبعبارة أخرى: هذه النظریة لا یهمّها صدقُ الفهم وکذُبه؛ ولا یعتني بالفهم الصحیح من النص والفهم الخاطئ منه، وهذا يعني ليس هناك معيار ثابت لتمييز الفهم الصحيح من الفهم السقيم والخاطئ. وهذا يؤدّي إلى الفوضى في عمليّة التفسير، وأيضاً يستلزم النسبيّة والتعدّدية في الفهم، وبالتبع تستلزم النسبيّة والتعدّدية التناقضَ، إذ  یمکن لكلّ شخص أن يفهم من نصّ واحد ما يناقض فهم الآخر، وحسب هذا الرّأي كلا الفهمين صحيح وصائب، وليس هذا الا اجتماع النقيضين.

9-إن الفهم والتفسير رهين الآفاق المعرفية والفكرية للمفسر، وبما أن الآفاق المعرفية رهين التاريخ والسنّة التى يعيشها المفسر ويتأثر منها فالنتيجة أن الفهم أمرٌ تاريخىّ. (تاريخية الفهم والتفسير)

هذه اللوازم والتداعيات المترتبة على نظرية الهرمنوطيقا الفلسفى تساعدنا على تقييم هذه النظرية ونقدها البنّاء في ما يأتى. وسنستفيد من هذه اللوازم والنتائج في نقد هذه النظرية وتقييمها في قسم "الدراسة النقدية".

 



- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p. XXiX.

- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, pp. 193,395  

-Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p. 268-269

- غادامير، الحقيقة والمنهج، ص 491

-   Richard E. Palmer, Hermeneutics, pp. 198-199

- التأويل والهرمنوطيقا، مجموعة من المؤلفين، ص 63

- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p. 388

- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p. 397

-Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p. 277

- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p. 490

- نظريه تفسير متن، احمد واعظى، ص 163

- Richard E. Palmer, Hermeneutics, p. 198

- Martin, Heidegger, Being and Time, p.191

- نظريه تفسير متن، احمد واعظى، ص 157 و158

- عبد الكريم سروش، قبض و بسط تئوريك شريعت، ص 181

- أنظر إلى: Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, pp. 308-309-326

-166-169    Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p

- Richard E. Palmer, Hermeneutics, p. 203

- عبد الكريم سروش، الصراطات المستقيمة، ص 16 و17

- Richard E. Palmer, Hermeneutics, pp.242-251  

- نظرية تفسير متن، احمد واعظى، ص 160

- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method,p. 370

- Martin, Heidegger, Being and Time, p.191

- Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p 465

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA


١١:٥٢ - 1399/04/24    /    شماره : ١١٢٧٣٦    /    تعداد نمایش : ١٥٦


نظرات بینندگان
این خبر فاقد نظر می باشد
نظر شما
نام :
ایمیل : 
*نظرات :
متن تصویر: