تیتر اخبار



  چاپ        ارسال به دوست

جلسه چهارم هرمنوتیک تحت عنوان "تحلیل و نقد دیدگاه هایدگر" توسط استاذ عزیزی برگزار گردید.

 

    

                             

نظرية هايدغر الهرمنيوطيقة

1- يعتبر مارتين هايدغر من أبرز مؤسسى "الهرمنوطيقا الفلسفية" في القرن العشرين. وقد تأثر بأفكاره  أغلب الفلاسفة الذين جاءوا من بعده تأثرا بالغا. لقد انتهج هايدغر في كتابه "الكينونة والزمان" منهجية سمّاها "الظاهراتيّة الهرمنوطيقيّة"، وهى تختلف تماماً عن هرمنوطيقا النصوص، بل من الأفضل أن نسمّيه هرمنيوطيقا الكينونة الإنسانية المسمّاة بـ"دازاين".

2- لقد جرّد هايدغر علمَ هرمنوطيقا من الطابعَ المنهجىّ والابيستومولوجىّ ومنحها الطابعَ الفلسفىّ والآنطولوجىّ، ولهذا يرى أن المهمّة الأصلية للفلسفة هى البحث عن معنى حقيقة "الوجود" (Being (، ولا يتحقق هذا الهدف الأسمى للفلسفة إلا عن طريق التفسير الظاهراتيّ "للوجود الإنسانى" (Dasein)[1] الذى تجسّدت فيه حقيقةُ الوجود، فلا طريق لمعرفة حقيقة الوجود عند هايدغر إلا عن طريق معرفة الوجود والكينونة الإنسانيّة (دازاين). فإنّ تحليل وجود الإنسان (دازاين) والكشف عن الصياغة الوجودية له في ضوء المنهج الفنومنولوجىّ الظاهراتيّ هو الذى يُسمى "الهرمنوطيقا" عند هايدغر، لأنّ مفهوم هرمنوطيقا هو جعل الشيء مفهوماً وقابلاً للفهم، فكل تحليل يجعل وجود الإنسان واضحاً وقابلا للفهم فهو هرمنيوطيقا. بعبارة أخرى تحوّل علم هرمنوطيقا إلى تفسير الوجود الإنسانيّ أو دازاين، فتحاول هرمنيوطيقا من منظور هايدغر أن تكشف عن المعنى الكامن في دازاين وتُطوّرها وتجعلها مزدهرة منكشفة أكثر فأكثر. فتُعدّ هرمنوطيقا نظرية انكشاف الوجود والأنطولوجيا، وحيث أن الكينونة والوجود الإنسانيّ هو المظهر والمجلى الأتمّ لحقيقة الوجود، فيتمّ انكشاف الوجود من خلاله.

ومن هنا نرى علاقة وثيقة بين الفلسفة (الآنطولوجية) وبين الهرمنوطيقا وبين الظاهراتية (الفينومينولوجيا) في فلسفة هايدغر.

3- لا يعتنى هايدغر بالمنهج العقلى البرهانى في إثبات مدعياته في الهرمنوطيقا، بل يعتمد في تفسيره لوجود الإنسان (دازاين) على المنهج الفنومنولوجى الظاهراتىّ، وهذا نتيجة تأثّره بفلسفة "إدموند هوسرل". اعتمد هايدغر على فينومينولوجيا لإدموند هسرل ووجد فيها منهجاً يمكن أن يسلّط الضوء على كينونة الوجود الإنسانيّ (دازاين) بحيث يمكن للمرء أن يكشف اللثام من خلاله عن حقيقة الوجود. يقوم هايدغر في كتابه المهم "الوجود والزمان" بتحليل البنية الوجودية للإنسان التى يعبّر عنها بـ "دازاين". وتفسير الوجود المعبّر عنه بـ "دازاين" (interpretation of Being) يعني الهرمنوطيقا في منظومته الفكرية.

4- ومن هنا ينبغى أن نشير إلى خصائص الفهم وميزاته من منظار هايدغر:

الف)-أن "الفهم" له طابع وجوديّ وآنطولوجيّ وليس من مقولة العلم والمعرفة:

 بمعنى أن الفهم هو جزء لا ينفك عن وجود الإنسان المعبّر عنه بـ "الديزاين"، بل الفهم من الركائز الأصلية والمكوّنات الرئيسية لـ"الديزاين". وهذا الفهم أمرٌ وراء الصياغات الكلامية والقضايا والجملات والعلوم الملفوظة والمكتوبة، فالفهم حسب هايدغر مسبَقٌ عليها ومَنشأٌ لها. أن عملية الفهم هى نوع من الكون والتواجد الذى تظهر وتبرز في ضوئه طاقات وقابليات وإمكانيات الوجود الإنسانى (الديزاين) فيرتقى الوجود الإنسانى ويزدهر نتيجة هذا الفهم. فالفهم نحوٌ من أنحاء الوجود الإنسانيّ (الديزاين) فلا ينفك عنه. فكل فهم يفتح أمامنا إمكانيّة وجود خاص وطاقة خاصة لديزاين[2].

ب)- أن "الفهم الهرمنوطيقى" مسبوق بالفهم عن طريق القضايا والجمَل:

 بمعنى: أنّ هناك نِسَبٌ وإضافات وارتباطات في ما بين الوجود الإنسانى "الديزاين" وبين الأشياء حولنا، هذه النِسَب بُنيَت على أساس الأغراض والفوائد المترتبة على استعمال الأشياء. فمتى يعرف الوجود الإنسانى(الديزاين) معنى الأشياء؟ الجواب: إذا عرف فوائدها وأغراضها وموارد استعمالها واستخدامها؛ فمعرفة الديزاين مثلاً من فوائد المسمار والخشب والرمح ومنافعها والغرض من استخدامها تجعل هذه الأشياء ذات معنى خاص لديزاين، وهذا هو المراد من الفهم الهرمنوطيقى المسبوق لفهم الأشياء في ثوب القضايا والجمَل.

ج)- أن كلّ فهم يتوقف على مكوّنات البنية المسبقة له:

يعتقد غادامير أنه لا يمكن أن نفهم شيئاً من الأشياء الخارجية إلا في ضوء البنية المسبقة في الإنسان والتى لها ثلاث مستويات:

 1-مستوى الممتلكات المسبَقة (fore having): نوع من المعلومات المرتكزة والافتراضات المسبقة التى تكوّنت طوال التاريخ في نفس المفسر والتى تعدّ أرضيّة تاريخية قَبْليّة لفهم النصوص. بعبارة أخرى إن الامتلاك المسبق هو الفهم العام للشيء الذى يؤوَّل.

 2-مستوى الرؤية المسبَقة sight) (fore : هى تعدّ المنظار الخاص المسبق للمفسّر الذى يتمثّل في أفقه الذهنى بحيث يبتني عليه كلُّ فهمٍ لاحقٍ. بناء على الرؤية المسبقة يُثبت المفسّر نظراته على ما يريد أن يؤوّله أو على الجانب الذى يريد أن يؤوّله.

3-مستوى التصورات المسبَقةconception)  (fore: هى التوقعات المسبقة الموجودة عند المفسر والتى تجعله يفسّر النص وفقاً لتلك التوقعات القبليّة والمسبقة. يعنى أن المفسر يؤوّل شيئاً ما بموجب ما هو متاح لديه من تصورات فقط[3].

تتجسّد هذه المستويات الثلاثة في هذه الجملة وهى: أنّ كلّ فهم وتفسير من المفسِّر يتوقف على قبليّاته وافتراضاته المسبقه، فالفهم نتاج هذه المسبقات والقبليات والخلفيات ويتولّد منها وهذا هو الذى سمّاه هايدغر بـ"الموقع الهرمنوطيقى". لأن تفسير كلِّ موضوع منوط بالطريق والمنهج الذى يُفسَّر الشيء على أساسه. والاعتماد على هذه المعانى المسبقة والقبليّات الذهنية في عملية الفهم يجعل الفهمَ غير عينىّ وغير مطابق للواقع، بل الفهم عند هايدغر أمرٌ ذهنى غير مطابق لما يريده المؤلّف.

ومن جهة أخرى هذه القبليّات والمسبقات الذهنية والفكرية للمفسر ودورها الرئيسى في عملية الفهم تجعل الفهم أمراً نسبيّاً متكثّراً بتكثّر المفسّرين لنص واحد، لأن كلّ مفسر يفسّر النص حسب وجوده التاريخىّ الخاص به وهذا يعنى أن ليس هناك فهماً وتفسيراً واحداً متعيّناً نهائيّاً للنص، بل هناك "تعدّدية" (pluralism) في الفهم.

د)- أنّ الفهم يتحقق في الدائرة التأويليّة (الدوّر الهرمنوطيقىّ):

لقد ذكرنا سابقاً أن شلاير ماخر كان يعتقد بأن الفهم حصيلة الجدلية القائمة بين الجزء والكل في الجُمَل والقضايا؛ بمعنى أن فهم الجملة والقضية يتوقّف على فهم مفرداتها وأجزائها، وفهم المفردات والأجزاء  يتوقّف على فهم كلّ الجملة من جهة أخرى. وقد تأثّر هايدغر بالدائرة التأويليّة أو الفهم الحلقوىّ من النص وفسّره بما يتوائم مع فلسفته الوجودية وطبّقه على الوجود الإنسانيّ (الديزاين)، وقال: أن هناك علاقة دوريّة وجدليّة بين الافتراضات المسبقة والقبليّات والخلفيات الذهنية وبين تفسير النص. بمعنى أن عملية التفسير والفهم تبدأ من منطلق القبليّات والفهم المسبق للوجود الإنسانى (الديزاين) حتى يصل المفسّر إلى الفهم الذى يرجع إلى كشف الوجود الإنسانى (الديزاين) وازدهاره. فهناك نوع من التبادل والدّوران بين الوجود الإنساني ونفسه. بعبارة أخرى: هناك فهم سابق وهناك فهم لاحق، الفهم السابق يمهّد الأرضية لكشف الفهم اللاحق والجديد، والفهم اللاحق يساعدنا على كشف الفهم المسبق عندنا وهذا هو الدّور الهرمنوطيقي عند هايدغر. [4]

بناء على رأى هايدغر ليست عملية الفهم هى إعادة البنية الذهنية للمؤلّف وكشف نواياه من النص كما يعتقد به شلاير ماخر، بل يقع المفسّر في ضوء فهم النص في حالة إمكانية جديدة ويوسّع وينشّط طاقاته الوجودية وقدراته الذاتية، فكل فهم هو توسعة ونموّ وازدهار للوجود الإنساني (الديزاين). فنحن نواجه النص مع ما لدينا من القبليات والخلفيات والتوقّعات التي تنبثق من وجودنا الخاص (الديزاين)، فالمفسر هو الذى يولّد وينتج المعنى ويلقيه إلى النص، لا أن النصّ يمنح المعنى للقارئ والمفسر[5].

ذ)- تاريخية الوجود الإنساني:

يركز هايدغر على أن الوجود الإنسانى (الديزاين) حقيقة تاريخية متزمّنة تتحقق في واقع تاريخىّ محدّد. فكل إنسان له هويّة متميّزة وهى رهينة خياراته وقراراته طيلة حياته. إذن كل إنسان يمتلك وجوداً خاصّاً تكوَّن في ظروف تاريخية وزمانية معيّنة. إذن ما نفهمه من النصوص نفهمه في ضوء واقعنا التاريخيّ والزمانيّ. كذلك المفسّر يعيش ويفهم في إطار واقعه التاريخيّ والزمكانيّ ولا يمكن له أن ينخلع عنه. وهذا يستلزم أن لا يحصل المفسر على فهم عيني خالص مطابق للواقع بل يكون فهمه تاريخيّاً محدّداً بالظروف الثقافية والتاريخية التي يعيشها المفسر.[6]

5- يمكن تقسيم حياة هايدغر إلى مرحلتين: 1- هايدغر المتقدّم 2- هايدغر المتأخّر. يركز هايدغر المتقدّم على كشف حقانية الوجود التى تبلورت وتجلّت في الوجود الإنسانيّ (الديزاين) والتعرّف على سماته وخصائصه التى من أهمّها الفهم. فالمفسّر في ضوء الفهم الجديد يكشف الغطاء عن طاقاته وقدراته الوجودية وينمّى وجوده الخاص المعبّر عنه بالديزاين. إذن الهرمنوطيقا عند هايدغر المتقدّم ترتكز على حقيقة الوجود (الديزاين) وميزاته وأوصافه.

لكن هايدغر المتأخّر يهتمّ بالنص وتفسيره ويركز على فهم النصوص المتعلّقة بأرسطو وديكارت وكانط. إنه يفرض خلفيّاته الفكرية وقبليّاته الذهنية والوجودية على هذه النصوص ويفسّرها تفسيراً بعيداً عن نوايا المؤلّف ومقاصده كلّ البعد.

فتارة يستعمل هايدغر لفظ "الهرمنوطيقا" في فهم الصياغة الوجودية للإنسان (الديزاين) وفقاً لمنهج الفنومنولوجيا، وتارة أخرى يستعمل لفظ هرمنوطيقا في كشف المعنى الخفىّ في الألفاظ والأفق المعنويّ للفظ. وتارة يستعملها بمعنى فنّ الإدراك الصحيح من اللغة، والمراد من الفنّ هنا هو الصناعة.

6- والخلاصة: نَظَر هايدغر إلى موضوع "الفهم" نظرة متميّزة عمّا قبله من الرّؤي، لأن المفكرين قبل هايدغر كشلاير ماخر ودلتاي ينظرون إلى مسألة الفهم كمنهج وآليّة للتجنّب سوء الفهم والوصول إلى نوايا المؤلف ومراده من النص. ولكن رؤية هايدغر ومنظاره إلى موضوع "الفهم" مختلفة، فقد نظر إلى الفهم نظرة وجودية (آنطولوجية) بحيث ركّز على أن الفهم هو المكوِّن الرئيسى في وجود الإنسان (الديزاين) وأكّد على تاريخية الفهم والوجود الإنسانيّ. فالفهم عند هايدغر هو قدرة المرء على إدراك ممكنات وجوده ضمن سياق عالم الحياتي الذي وُجِد فيه. الفهم ليس موهبة خاصة، أو قدرة معيَّنة على الشعور بموقف شخص آخر، ولا هو القدرة على إدراك معنى أحد تعبيرات الحياة على مستوى أعمق، الفهم ليس شيئاً نمتلكه بل هو شيء "نكوّنه". الفهم شَكلٌ من أشكال "الوجود في العالَم" أو عنصرٌ مكوّنٌ من عناصر "الوجود في العالَم". الفهم هو الأساس لكل تفسير، وهو متأصّل ومصاحبٌ لوجود المرء وقائم في كلّ فعل من أفعال التأويل.[7] فالهرمنوطيقا من منظور هايدغر نظريّة تكشُّفٍ آنطولوجيّ تميط الّلثام عن الإمكانيات والطاقات الكامنة في الوجود الإنسانيّ، فليس التأويل عنده بمعزل عن الوجود الإنسانيّ بل هو انكشاف وازدهار لحقيقة الإنسان.

بعبارة أخرى: يرى هايدغر أن الفهم هو النحو الخاص من الكينونة الإنسانية بل عينها، فليس الفهم بمعزل عن الوجود الخاص الإنساني (دازاين)، وبما أن الوجود الإنسانيّ حقيقة زمانية تاريخية وليد بيئته الحاضنة وظروفه الاجتماعية، ففهم الإنسان من الأمور فهمٌ تاريخيّ زمانيّ متأطّرٌ بوجوده الخاص. وهذا يستلزم أن يكون فهم الإنسان مزيجاً وخليطاً بموقفه التاريخيّ السيّال، وهذا لا ينتج إلا نسبيّة الفهم. ليس هايدغر بصدد فهم نوايا المؤلّف وكشف مقاصده من خلال إعادة البنية الذهنية له، بل هو ينظر إلى الفهم والتفسير من منظور وجوده التاريخيّ الخاص، فوجود المفسّر (دازاين) بما يمتلكه من الفروض المسبقة والقبليّات الذهنية والخلفيات التاريخية يواجه النص ويقرأه ويفهمه حسب رؤيته الوجوديّ الخاص، لا كما هو مراد المؤلّف. وهذا هو معنى تفعيل الإمكانيات وتنشيط الطاقات الكامنة في الكينونة الإنسانية (دازاين).

7- الجدير بالذكر أن هايدغر يركز على "المذهب الذاتيّ" (Subjectism) الذي يرى أنّ العالَم يُقاس وفقاً لتقدير الإنسان. فليست هناك حقائق مجرّدة وفارغة من الفروض المسبقة للإنسان وقبليّاته، بل كلّ شيء يدور مدار نزعات الإنسان ورغباته ومسبقاته وتوقّعاته، وليس بالعكس. لا يخفى أن هذه الرؤية الفينومنولوجية للأشياء تركت آثاراً سلبية في مجال القيَم الأخلاقية والهرمنوطيقا والعلوم الإنسانية بصورة عامة.

لا شك أن نظرية التأويلية لهايدغر مهّدت الأرضية لآراء تلميذه جورج غادامير الذى تأثر بأفكاره أشدّ التأثر.

 



[1] - مصطلح "الديزاين" تعبير آلمانيّ يعنى حرفيّاً "الوجود هناك"، وقد استخدمه هايدغر للتعبير عن الوجود الإنساني المتعيّن.

 

[2] - Martin, Heidegger, Being and Time, p.192

[3] - Hans-Georg, Gadamer, Truth and Method, p 267

[4] - Martin, Heidegger, Being and Time, p.194

[5] - Martin, Heidegger, Being and Time, pp.191-192

[6] - - Martin, Heidegger, Being and Time, p.439

[7] - مصطفي عادل، فهم الفهم، ص 222

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA


١٢:٠٥ - 1399/04/17    /    شماره : ١١٢٦٤٠    /    تعداد نمایش : ١٣٠


نظرات بینندگان
این خبر فاقد نظر می باشد
نظر شما
نام :
ایمیل : 
*نظرات :
متن تصویر: